تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 244
أشرك به وعلى تقدير اتخاذهم من دونه أولياء فلعدم صلاحيتهم للولاية التي تفضى إلى ادخال الجنة والانجاء من النار لأنهما فرع الاحياء (وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى) بل فرع القدرة الكاملة (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيقدر على انتزاع قدرتهم لو كانت لهم قدرة على ذلك
(وَ) كما لا يصلحون للموالاة المفيدة دخول الجنة والنجاة من النار لا يصلحون لموالاة تكون سبب ذلك مثل ان يأتوا باحكام تصير سببا لذلك بل (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ) هل هو مفيد لذلك أو لضده (فَحُكْمُهُ) مفوض (إِلَى اللَّهِ) يراجع فيه كتابه وسنة رسوله واجماع المجتهدين فيه تنصيصا أو قياسا على معنى مستنبط من أحدهما فإن ادعى أحد ذلك لنفسه فلا أو من بربوبيته بذلك بل (ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي) فإن خوفنى (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ) ان رأيت منه منافع أو مضار فلا ابالى له بل (إِلَيْهِ أُنِيبُ) أي ارجع وكيف ارجع إلى الغير أو اتوكل عليه أو اخاف منه أو اتخذه ربا مع أنه مفطور لاختصاص اللّه بانه
(فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) كيف وغاية ما في الغير انه يتفاوت فاضلا أو مفضولا لأنه (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا) أي اصنافا مختلفة إلى كامل وناقص فلو استحق كل كامل الهية كل ناقص لكان لكل شيء الهية لا تنحصر (وَ) لكان للمتوسط كالحيوان الهية ومالوهية إذ جعل (مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا) فللإنسان عليها الهية ولبعضها على بعض الهية مع ان المتوسط مفضول فعليه الهية لما فوقه بل (يَذْرَؤُكُمْ) أي يفرقكم (فِيهِ) فيجعل الفاضل مفضولا من وجه فيكون الشيء إلها لشيء ومألوها له وهذا باطل بالضرورة فالمعتبر انما هو الكمال المطلق وهو انه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) أي ليس مثله شيء فكنى بنفى مثل المثل عن نفى المثل إذ لو كان له مثل لكان مثلا لمثله فإذا نفى لزم نفيه (وَ) لا يلزم من نفى المثل نفى الصفات الكاملة التي تطلق على المخلوقات وهو نقص إذ يكفى فيه كونها له بالذات وللغير بالظهور بان يقال (هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) على سبيل الحصر بالذات وانما سمع الغير وبصره باعتبار ظهورهما فيه ولا يناقضه قوله تعالى وله المثل الأعلى لأنه المناسب بالوجه الخاص والمثل بالكسر هو المشارك في النوع ومن ظهوره بالاسماء سببية الأشياء فلا يستقل بدون إذنه لذلك
(لَهُ مَقالِيدُ) أي مفاتيح أسباب (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ويستقل بدون الأسباب لذلك (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ) وإن لم يباشر سببا (وَيَقْدِرُ) أي يضيق على من يشاء وان بالغ في جمع الأسباب ومع ذلك لا يفعل بطريق التحكم بل بحسب استعدادات الحقائق (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فيعلم تلك الاستعدادات التي خفيت على الاكثر فهي أسباب خفية ولما جعل هذه الأسباب غير مستقلة بدونه نهى عن الخوف عنها والتوكل عليها والرجوع إليها حتى
(شَرَعَ) أي سن (لَكُمْ مِنَ الدِّينِ) أي الاعتقاد (ما وَصَّى) أي امر على سبيل التوكيد (بِهِ نُوحًا) ان يأمر به قومه وهو توحيد الأفعال بحيث لا يرون مؤثرا سواه في جميع الأشياء (وَ) الأمر العظيم (الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) من غير توكيد من توحيد الذات ان تأمر به خواص قومك (وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى) من توحيد الصفات وبالجملة أمرناهم (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) باحدى التوحيدات (وَلا تَتَفَرَّقُوا) أي ولا تعتقدوا الفرق بلا جمع (فِيهِ) وانما