فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 245

أكدنا عليهم بذلك لأنه (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ) في الأفعال والذات والصفات (ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) من احدى التوحيدات سيما الذاتى إذ لا يحصل بالكسب بل (اللَّهُ يَجْتَبِي) فيجذب (إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ) من غير انابة سابقة (وَيَهْدِي) للوصول (إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) أي من يرجع إليه حتى يتحقق بالتوكل ثم يصير موحدا في الفعل ثم في الصفات ثم في الذات

(وَ) لو قيل لو أقر هؤلاء الرسل بهذه التوحيدات لاخذ بها أهل الكتاب قيل (ما تَفَرَّقُوا) أي ما اعتقدوا التفرقة المحضة قدماء أهل الكتاب (إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) أن هؤلاء الرسل اوجبوا الاخذ باحدى التوحيدات (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) وبين دعاة التوحيد (وَ) هذا البغى موجب للمؤاخذة في الحال (لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) بتأخير القضاء بينهم (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) هو القيامة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) وبين دعاة التوحيد بمؤاخذتهم لوجود مقتضاها من البغى على أهل الحق ودعاته (وَ) لا يعذر باقتدائهم المتأخرون (إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ) المخالف لمقالتهم وان كانوا (مِنْ بَعْدِهِمْ) لكنهم انما يقتدونهم لو لم يكونوا في شك من مقالتهم لكنهم شاكون انهم (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) أي موقع لهم في الريب فيما نقلوا من الكتاب أيضا

(فَلِذلِكَ) أي فلكون متاخرى أهل الكتاب في شك من اعتقاد قدمائهم ونقلهم الكتاب (فَادْعُ) إلى ما لا يشك فيه (وَاسْتَقِمْ) في الاعتقادات والأعمال لئلا تتهم (كَما أُمِرْتَ) وإن كان لك فيه خواص لا توجد في امتك (وَ) ان طعنوا فيك بمخالفة قدمائهم (لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ) كيف اوافقهم على خلاف كتب اللّه مع انى (آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَ) ان ذكروا انهم لم يخالفوا كتب اللّه بل اولوها دفعا للتعارض في الظاهر فيها قل (أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ) في التأويل بحيث يقع الاتفاق (بَيْنَكُمُ) لو انصفتم وان طعنوا بان كتابك يخالف كتبنا في نسخ بعض الاحكام قل (اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ) فله ان يربينا باحكام ويربيكم باحكام ولا يناقض في ذلك إذ (لَنا أَعْمالُنا) في عصرنا (وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ) في عصركم (لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ) بان هذا النسخ إبطال لحكم اللّه بل هو بيان لانتهاء حكمه ولا يلزم من ذلك التفرقة في أحكامه بل (اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا) وبينكم في حكمه باعتبار عصره فلو كنا في عصركم لحكم علينا باحكامكم وإذا كنتم في عصرنا حكم عليكم باحكامنا (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) في الحكمين فلا بد وان يراعى مصلحة العصرين

(وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ) في أحكامه الناسخة (مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ) أي أجاب عن حججهم العقل والكشف ونقل الكتب السالفة مقوية لحجج اللّه كلما طلب منها ذلك (حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ) أي زائلة (عِنْدَ رَبِّهِمْ) لا يعتد بها في الدنيا (وَ) لا يعفى عن المتمسك بها لكونها شبهة بل (عَلَيْهِمْ غَضَبٌ) إذ تحكموا على اللّه ان لا يحكم على أحد الا بما حكم به عليهم (وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ) لا يخفف منه شيء لاجل شبهتهم بعد شدة عنادهم بحجة داحضة وكيف ترد أحكام هذا الكتاب لمخالفته كتب الاولين مع انه أكمل منها إذ

(اللَّهُ) باعتبار جمعيته هو (الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ) حتى صار معجزا ولم يعارض دلالة إعجازه بطلانه في ذاته لكونه ملتبسا (بِالْحَقِّ وَ) ليس هذا دعوى بلا برهان لأنه أنزل (الْمِيزانَ) لمعرفة إعجازه ومعرفة حقيته وقد دل الميزان على حقية النسخ إذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت