تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 250
(مِنْ دُونِ اللَّهِ) من الزبانية فضلا عن اللّه (وَ) لا يكون لهم مخلص بتدبير انفسهم لأن (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) يسلكه للتخلص عنه وليس ذلك لعدم السبيل اصلا فقد وجد لأهل الاستجابة قبل الموت
(اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ) ليربيكم بهداية سبيله لا بالاضطرار بل (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) تضطرون فيه للاستجابة (لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ) لتردوا إلى عالم الحجاب الذي تعودون فيه إلى اختياركم ولا يندفع اضطراركم فيه بملجا إذ (ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ) تفرون إليه (يَوْمَئِذٍ) لأن كل ملجا فيه راجع إلى اللّه (وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) ينكر على اللّه في مؤاخذتكم
(فَإِنْ أَعْرَضُوا) عن دعوتك إلى استجابة اللّه لتلك بهم سبيل الهداية المتيسرة لهم كانها تحت قبضتهم (فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) تحفظ ما في قبضتهم من سبيل الهداية لو قصدوها فلا تلجئهم إلى قصدها (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) أي تبليغ ما في قصدها من الفوائد وما في الاعراض من الآفات (وَ) انما اعرضوا عن استجابتنا لأنهم لا يرون منا نعمة ويرون منا كل مصيبة (إِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا) لا باستحقاقه (رَحْمَةً فَرِحَ بِها) كانها مقتضى ذاته (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) لم تكن مبتدأة منابل (بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) كفر بنسبة الظلم الينا (فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ) بنسبة الظلم وسلب نسبة النعمة الينا وكيف يتصور نسبة الظلم إلى اللّه فيما يتصرف في ملكه إذ
(لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ) بمقتضى مالكيته ولو تعين عليه شيء لم يكن على مقتضى مطلق المالكية على ان حاصل المصيبة غالبا منع فضل النعمة فكما لا يسمى عند منعه الفضل ظالما لا ينبغى ان يسمى في افاضة المصيبة ظالما وذلك لأنه لا يسمى ظالما فيما يقسم من الأولاد وان كان بعضهم ناقص الحظ جدا فانه (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا) وهو انقص حظا ممن يعطى الذكور جدا وتنكيرهنّ اشارة إلى ان من حقهنّ التنكير (وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) وهو وان كان اكمل من الأوّل ناقص بالنسبة إلى ما بعده فكمالا ظلم ههنا فكذا فيما قبله وعرفهم اشارة إلى ان من حقهم التعرف بالاتصاف بالكمالات ثم قال
(أَوْ) للاشارة بأنه كالمقابل للمشيئة إذ لا ترجيح فيه لاحد الجانبين على الآخر (يُزَوِّجُهُمْ) أي يجمع الموهوبين (ذُكْرانًا وَإِناثًا) قدم الذكور ههنا لأنه لم يظهر ههنا أثر المشيئة الموجبة تقديم الاناث إذ لا كراهة فيه لكونه غاية الكمال ونكر الذكور رعاية للمناسبة ولم يعكس بتعريفهما إشعارا بوجوب القرار عليهنّ من التعرف ثم قال (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا) لكونه أثر محض المشيئة إذ لا دخل فيه للهبة اصلا ومع هذا لا يعد ظلما فكيف ما تقدم وليس هذا على سبيل التحكم بل بتبعية العلم مع القدرة على خلافه (إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ وَ) بقدرته رفع بعض البشر إلى حد المكالمة مع اللّه ومع ذلك راعى مقتضى علمه ببشريته وبالهية نفسه لذلك
(ما كانَ لِبَشَرٍ) بقى لروحه تعلق ببدنه (أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا) أي الهاما بالقاء المعنى في قلبه يقظة أو مناما (أَوْ) بطريق الهواتف أو على لسان الشجرة مثلا أو اسماع كلامه النفسى (مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ) إليه من الملائكة (رَسُولًا فَيُوحِيَ) أي يبلغ إليه كلامه (بِإِذْنِهِ) لا باستقلال حتى يحتمل الاضلال (ما يَشاءُ)