فهرس الكتاب

الصفحة 712 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 252

أي القلم الأعلى الذي يعسر عليكم الوصول إليه لكونه (لَدَيْنا) أي في حضرة القرب منا (لَعَلِيٌّ) لا يصل إليه كل مقرب لأنه (حَكِيمٌ) أي جامع لانواع الحكم كلها فلا يبلغه الا الكمل من المقربين لكن جعلنا فيكم قابلية تحصيل ذلك بواسطة جعله عربيا لكنكم معرضون عن ذلك

(أَ) نهملكم مع ما فيكم من هذه القابلية (فَنَضْرِبُ) أي نبعد (عَنْكُمُ الذِّكْرَ) أي الذي يذكركم تلك الحكم التي في قابليتكم بل نعرض عنكم (صَفْحًا) أي اعراضا كليا من أجل (أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) في الاعراض عنا وعما فيكم من قابلية الكمالات هذا إذا فتح ان ولو كسرت فمعناه ان فرض وقوع اسرافكم الذي حقه ان يكون مستحيلا فرض وقوع المحال

(وَ) لكن الاسراف لا يقتضى الاهمال بل ارداف الحجج لذلك (كَمْ) أي كثيرا (أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ) قرروا الحجج الكثيرة (فِي) قلوب (الْأَوَّلِينَ وَ) لم يزالوا يزدادون به اسرافا بحيث

(ما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) وانما اردفنا فيهم الحجج مع عدم انتفاعهم بها لأن اسرافهم اقتضى تعجيل إهلاكهم

(فَأَهْلَكْنا) لإهلاكهم استعدادهم بتغليب القوّة الحيوانية على العقلية (أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا) أي قوّة ولم تدفع عنهم الإهلاك وانما تدفعها القوّة العقلية (وَ) لم يخفف عنهم الإهلاك بل (مَضى) أي تقرر على الكمال (مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي القصة العجيبة الشان في شدة العذاب عليهم مع غاية قوّتهم

(وَ) كيف لا يمضى مثلهم وقد كان استهزاؤهم بالرسل مثلا لأنهم استهزأوا بهم في الدعوة إلى اللّه مع اعترافهم بأنه خالق الكل فانك (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ) اللّه لأنه (الْعَزِيزُ) الذي يمكنه ان يغلبها (الْعَلِيمُ) الذي راعى الحكمة في خلقها ويلزم من ذلك انه يمكنه ان يغلبهم فيهلكهم وقد اقتضت الحكمة ذلك إذ قد علم اعراضهم عنه واستهزاءهم بمن يدعوهم إليه وبتمهيدهم قواعد العقائد عنه مع علمهم بأنه

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَ) يجعل لهم الأعمال الصالحة طرق الوصول إليه مع علمهم انه (جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا) لاهتدائكم إلى تحصيل المعاش والمعاد اولى بذلك فكانه جعلها لتقيسوا سبل الآخرة عليها (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَ) بدعواهم إنزال الوحى من السماء لاحياء القلوب الميتة بالجهل بما يليق بها مع علمهم انه

(الَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ) أي بمقدار ما ينفع ولا يضر (فَأَنْشَرْنا) أي أحيينا (بِهِ بَلْدَةً) لكونها مكانا للمحسوسات (مَيْتًا) فالإنسان الميت بالجهل لكونه مجلى الهيا أولى بالاحياء بالعلم وقد دل على الاهتمام بذلك الاحياء لكونه سببا للمعاش الأخروى حيث جعله دليلا على البعث بأنه (كَذلِكَ تُخْرَجُونَ) من القبور يوم القيامة

(وَ) بدعواهم الاختصاص بمنصب النبوة مع علمهم بأنه (الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ) أي الاصناف المتفاوتة لكل نوع والانواع المتفاوتة لكل جنس (كُلَّها) وهذا أعلى اصناف أعلى انواع أعلى الاجناس وهو الحيوان اعلاه الإنسان واعلاه الانبياء عليهم السّلام واعلاه محمد رسول اللّه خاتم الانبياء عليه وعليهم السّلام كيف (وَ) لا بد في الحكمة من نبى يهيئ مراكب الوصول إلى اللّه تعالى من العلوم الظاهرة في بر الشريعة والباطنة في بحر الحقيقة لذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت