تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 269
بالتوبة أو الحسنات لذلك (يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) فهي وان أمكن التدارك قبلها (يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ) أعمالهم واعتقادهم بفوات التدارك
(وَ) كيف يبعث قبل جمع الكل في البرزخ وهو يوم المحاكمة بين جميع الأمم لذلك (تَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً) أي باركة على الركب يلزم كل فرقة ما تسلمه من الدلائل لذلك (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا) فيقال (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من أعمال الكتاب أو أعمال المحرف أو المنسوخ أو ما يخالف وان أنتم تمسكتم بالكتاب المنزل عليكم نحن نتمسك عليكم بالكتاب الذي كتب فيه أعمالكم إذ الكتاب المنزل عليكم لا ينطق بأعمالكم و
(هذا) الذي فيه أعمالكم (كِتابُنا) مثل المنزل مع انه (يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ) كلاما لا تأويل فيه لكونه ناطقا (بِالْحَقِّ) ولا يخل بحجيته كتابة الملائكة له (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ) أي نأمرهم أن ينسخوا (ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ونحن وان كنا نجازى بمقتضى هذا الكتاب لا نقتصر عليه في حق المطيعين وانما نقتصر عليه في الاحتجاج به على الكافرين كما يحتج بالمنزل عليهم
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ) التي لا نهاية لها (ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) بتعظيم اللّه له ولا عماله واجره
(وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) فيلزمون بالكتابين فيقال لهم (أَ) لم تكن تاتيكم رسلى (فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ) بل اتتكم وتليت عليكم (فَاسْتَكْبَرْتُمْ) على الآيات والرسل (وَكُنْتُمْ) قبل ذلك (قَوْمًا مُجْرِمِينَ) فاستمررتم على ذلك وهذا في النبوة والكتاب
(وَ) اما الآخرة فكنتم (إِذا قِيلَ) لكم (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ) على العموم (حَقٌّ وَالسَّاعَةُ) على الخصوص من جملة مواعيده آتية بدلالة الوعد بها ودلائل أخر تدل على أنها (لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ) أي لا نعرف مفهومها فضلا عن وجودها ودلائلكم لا تفيدنا جزما (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) ضعيفا (وَ) ان بالغتم في تقويتها (ما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) هذا في اعتقادها
(وَ) اما الأعمال فقد (بَدا) أي ظهر (لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) بصور قبيحة (وَ) لا تفارق العاملين إذ (حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) فتصير صورهم مما يستهزأ بها من كل وجه
(وَ) لما كان استهزاؤهم سبب نسيانهم لما يترتب عليها لذلك (قِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ) أي نترككم في العذاب ترك المنسى (كَما نَسِيتُمْ) باستهزائكم بآياتنا (لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَ) لا نقتصر على تعذيبكم في اليوم المنسى بل (مَأْواكُمُ) على الابد (النَّارُ) كيف (وَ) لا مانع من تخليدكم فيها إذ (ما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ) وكيف يكون لكم ناصر على عداوة اللّه الشنيعة إذ
(ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَ) لم تبالوا لعدوانه إذ لم تتوقعوا الرجوع إليه حيث (غَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) فزعمتم أن لا حياة سواها على انكم ظننتم انه لو كان ثمة عداوة اللّه لم يتيسر لنا هذه الحياة فإذا لم يبالوا بعداوته اليوم (فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَ) لا يطلب منها الخروج عن العداوة إذ (لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) أي لا يطلب منهم ان يرضوا اللّه وان كان يطلب منهم ذلك قبل المؤاخذة وهذا التعذيب وان لم ينتفع به المعذب فهو موجب لحمده لرعاية الحكمة
(فَلِلَّهِ الْحَمْدُ) كيف وفيه رفع قوم وخفض آخرين فلا يبعد من المتصف بوصف (رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ) مع ان العدل والاحسان