تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 268
يُوقِنُونَ) أي يقومون على طلب اليقين أحسب الذين تمسكوا بالمحرف أو المنسوخ من الكتاب أن نجعلهم كالمتمسكين بالمحفوظ الغير المنسوخ
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا) أي اكتسبوا (السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فالتسوية بين المتمسكين كالتسوية بين هذين بل بين الحى والميت فهم بهذا الاعتقاد (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ) أي حياتهم وموتهم بل يفضلون أنفسهم بهذا التمسك على المتمسكين بالكتاب الناسخ المحفوظ (ساءَ ما يَحْكُمُونَ) من عدم التفاوت كيف
(وَ) المنسوخ لو ترك بحاله لم يكن له فضل الناسخ فالتفاوت بين أحكام اللّه تعالى كالتفاوت بين خلفه فانه (خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) مع علو السماء وسفل الأرض ولا ينافى ذلك حقية الناسخ والمنسوخ جميعا كما أنه خلق السموات والأرض (بِالْحَقِّ وَ) كذلك خلق الطاعات والمعاصى من غير ظلم على المعاصى وان كان (لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ) لأن جزاءها ليس من حيث خلق المعاصى فيها بل (بِما كَسَبَتْ) من قصدها قبل ان خلقها (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) بايجاد هذا القصد فيهم أيضا أو بتقديره عليهم لأنه مقتضى استعداداتهم
(أَ) رأيت من عمل بالمنسوخ أو المحرف فاعتقد أنه امتثل أمر اللّه وهو يمتثل أمر هواه (فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ) باراءته أمر هواه أمر اللّه مع كونه (عَلى عِلْمٍ) بان العمل بالمنسوخ أو المحرف امتثال لامر الهوى (وَ) لا يبالى لعلمه ولا لمن ينبهه عليه إذ (خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) كيف وقد هداه اللّه بهذا الكتاب إلى جميع ذلك فلم يهتد به لهذا الختم (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ) تبالغون في مجادلته رجاء هدايته (فَلا تَذَكَّرُونَ) ما فيه من موانع الاهتداء كيف (وَ) ربما ضلوا في ذلك ضلال أهل التناسخ حيث
(قالُوا ما هِيَ) أي البعثة (إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ) فيها مرة بمفارقة تعلق بدن (وَنَحْيا) مرة بالتعلق ببدن أخر (وَ) لو لم يقولوا بالتناسخ ذهبوا إلى مذهب القائلين بنسبة الحوادث اليومية إلى الاوضاع الفلكية فقالوا (ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَ) هم وان زعموا انهم يتمسكون في ذلك بالبراهين العقلية (ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ) يستند إلى دليل قطعى (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) ظنا ينشأ من الشبهات الواهية
(وَ) لاجلها يتركون البراهين القاطعة لذلك (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا) النقلية (بَيِّناتٍ) بدلائل أولية من العقل (ما كانَ حُجَّتَهُمْ) في مقابلتها (إِلَّا أَنْ قالُوا) لو صح البعث فاوجدوه من غير احتياج إلى دليل عليه (ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلِ) لو لم يكن من ايجاده مانع لا وجدناه لكنه يخل بمقتضى الالهية إذ
(اللَّهُ يُحْيِيكُمْ) ليظهر فيكم باسمه الحى (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) ليظهر باسمه القاهر (ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ) في البرزخ (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) ليظهر في البرزخ باسمه الجامع ثم بكمال عظمته في القيامة فهو (لا رَيْبَ فِيهِ) إذ ظهور العظمة في بعث الكل أكثر من ظهورها في بعث البعض فهذا هو المانع من ايجاد البعث الآن (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) وكيف يترك القيامة مع أن الملك لا بد له من احسان وسياسة إلى من أحسن أو اساء
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ولا يظهر احسانه وسياسته في الدنيا إلى كل محسن ومسيء (وَ) انما اخرهما لتتدارك السيئات