تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 292
ثم بالثواب في الآخرة (وَ) قد علموا من عادته ان لا يترك في الأمور العالية خللا لذلك (ما لَها مِنْ فُرُوجٍ) أي فتوق فكيف يترك خلل الإنسان بالأخلاق الرديئة والأعمال الطالحة ثم كيف لا يتدارك ذلك بالعقاب في الآخرة
(وَ) لا يبعد منا خلق الإنسان من عجب الذنب فانه كمدّ الأرض إذ (الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ) لا يبعد منا ضم الاجزاء الفضلة إليها تقوية لها كما (أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ) لتقريرها (وَ) لا يبعد منا إثبات الجزاء من الأعمال كما (أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) أي صنف حسن وانما دللنا بهذه الأمور على ما ذكرنا لانا خلقناها
(تَبْصِرَةً) للأمور الأخروية بالدنيوية (وَذِكْرى) للأمور المعقولة بالمحسوسة لكنهما انما يحصلان (لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) أي راجع إلى اللّه تعالى بالتصفية فانه يريه بنوره المذكورات بواسطة هذه الأمور
(وَ) من لم ينب أخذ من الكتاب السماوى فانا أنزلناه مباركا كما (نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا) كثير المنافع (فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ) أشجارا وثمارا (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) أي الزرع الذي من شأنه أن يحصد
(وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ) أي طوالا (لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ) أي متراكم بعضه فوق بعض كذلك انبتنا بالكتاب جنات العلوم وحب الأعمال المنقطعة ونخل الاعتقادات الالهية والنبوية والأمور الأخروية المثمرة للقرب والثواب رزقا للخواص كما كانت
(رِزْقًا لِلْعِبادِ) كيف (وَ) لم نقصد الرزق الدنيوى فقط بل الدلالة على الأخروى أيضا إذ (أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) فكما خرج النبات من بذور الأرض (كَذلِكَ الْخُرُوجُ) أي خروج الإنسان من بذر عجب الذنب وخروج الجزاء من بذر الأعمال ثم ان هذا الاستدلال لو كان في مقابلة أمر علم عدمه بالضرورة لم يهلك المجادل عليه والمكذب له لكن قد جرت السنة الالهية بإهلاك المكذبين قبلهم فانه
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) وجادلوه وضربوه (وَأَصْحابُ الرَّسِّ) وهو بئر كانوا على شفاه فإنها ربهم بعد ما جادلوا وقتلوا نبيهم حنظلة بن صفوان (وَثَمُودُ) الذين جادلوا صالحا وقتلوا الناقة
(وَعادٌ) الذين جادلوا هودا في أصنامهم (وَفِرْعَوْنُ) الذي جادل موسى في الهية اللّه (وَإِخْوانُ لُوطٍ) المجادلون في اتيان الرجال
(وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ) المجادلون شعيبا في الكيل والوزن (وَقَوْمُ تُبَّعٍ) المجادلون امامهم وعلماءهم في الدين (كُلٌّ) وإن عمل أعمالا لم يؤخذ عليها وانما أخذ على التكذيب إذ (كَذَّبَ الرُّسُلَ) في استدلالهم على الأمور الأخروية والتوحيد (فَحَقَّ وَعِيدِ) فلا يستبعد تحقق الوعيد الأخروى فإن زعموا انه انما يستبعد لترتبه على البعث المحال
(أَ) يعجزوننا عن البعث مع انه مثل الخلق الأوّل (فَعَيِينا) أي عجزنا عن تعليق قدرتنا (بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ) لا يمكنهم القول بذلك (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي في شبهة من شبهات امتناع اعادة المعدوم ولا علقة لتلك المسئلة بما نحن فيه لأنه يجمع الاجزاء المتفرقة وتلك الشبهات وجوه أحدها لو فرضنا اعادة معدوم وهو قادر على ايجاد مثله مستأنفا فلا يتميز المعاد عن المستأنف قلنا يتميزان بالهوية ولا عبرة بعدم التميز عندكم الثاني لو أعيد بجميع العوارض لا عيد وقته الأوّل والموجود فيه مبتدأ لا معاد قلنا انما يكون مبتدأ لو لم يكن وقته معادا الثالث لو صح اعادة المعدوم لا تصف المعدوم بصحة العود وهو يستدعى تميزه قلنا صحة