تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 293
العود صفة اعتبارية فلا تقتضى امتيازا في الخارج والامتياز الذهنى يعم الكل الرابع ان تخل العدم بين الشيء ونفسه محال فالوجود بعد العدم غير الوجود قبله قلنا التخلل انما هو لزمان العدم بين زمانى الوجود ويكفى التغاير الاعتبارى
(وَ) انما لم نشتغل بحل هذه الشبهات لعدم توقف مسئلة البعث على مسئلة اعادة المعدوم مع انها من دقائق الفلسفة والا فكيف يجهل ذلك مع انها مخلوقة لنا فانا (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) فأعراضه مخلوقة لنا (وَ) من جملتها وساوسه فنحن (نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) وكيف لا نعلمها (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) لا بالمكان ولا بالزمان ولا بالرتبة بل بالذات من غير اختلاط ولا حلول ولا اتحاد (مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) أي من العرق الوارد من الرأس إلى مقدم العنق ولو لم نقرب إليه يكفى قرب من يقرب الينا من الملائكة
(إِذْ يَتَلَقَّى) هذه الوساوس عند تقررها لتكتب نيات صالحة أو طالحة (الْمُتَلَقِّيانِ) من الملائكة أحدهما (عَنِ الْيَمِينِ) أي عن يمين القلب قعيد يكتب الحسنات كل حسنة بعشر أمثالها أو أكثر (وَ) الآخر (عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ) يكتب السيئات كل سيئة بمثلها ليكونا شاهدين عليه وخص اليمين لكونه جانبا قويا يعمل يقتضى قوة بها قهر النفس والشيطان والشمال لكونه جانبا ضعيفا بعمل ضعف فيه عن قهرهما فإذا لم تتقرر فإن عمل بها أو تلفظ كتبت عليه فانه
(ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ) أي منتظر (عَتِيدٌ) أي حاضر وإذا كتب اللفظ الذي هو ترجمة النية لدلالته على تقررها فالعمل الذي هو أدل عليه أولى بالكتبة
(وَ) من لم يخرج عن هذا اللبس بما ذكرنا خرج عنه بسكرة الموت إذ (جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ) أي شدته الغالبة على العقل (بِالْحَقِّ) أي بالكشف الذي لا يعرضه شبهة عن الأمور الغيبية فيقال له (ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) أي تميل وتفرعنه عند قيام الدلائل عليه والآن لا يمكنك ذلك لكن هذا الكشف خيالى
(وَ) للحسى (نُفِخَ فِي الصُّورِ) لرد الأرواح إلى الاجساد الحاملة للقوى الحاسة كلها ولا بد من رد جميعها لتذوق أنواع العذاب كما ذاقت أنواع اللذات المحرمة (ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) الذي وعده أن يجزى كل سيئة بمثلها
(وَ) لتحقيق الوعيد فيه (جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ) من أعمالها والملائكة إلى مكان جزائها (وَشَهِيدٌ) من أجزائها والملائكة ثم يقال له
(لَقَدْ كُنْتَ) مع قيام الدلائل عليه (فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا) عن الحجاب (فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ) وهو وان كان بدنك وحواسك فقد استنارت اليوم بنور يكشف لها عن ذلك (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) أي نافذ
(وَ) يتأثر به سائر حواسك إذ (قالَ قَرِينُهُ) الذي هو الشيطان ليلحق بالسائق والشهيد فيتخلص بمجرد ذلك من العذاب (هذا ما لَدَيَّ) أي شيء في قبضتى فانا سائقه (عَتِيدٌ) أي مهيأ للنار أشهد بذلك عليه فيقال للسائق والشهيد من الملائكة
(أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ) واحد منهما والشيطان أولى لاتصافه بوصف (كَفَّارٍ) أي مبالغ في الكفر (عَنِيدٍ) لا يسمع دليلا في مقابلة كفره وقد زاد على العناد بوصف
(مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) الكلى هو الإيمان (مُعْتَدٍ) أي متجاوز الحد في العناد والمنع (مُرِيبٍ) أي موقع صاحبه في الريب مع كثرة الدلائل فانى يحصل له التخلص من العذاب بمجرد هذا السوق أو هذه الشهادة وقد استحق الشدة بهذه