فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 305

لاقتصار نظره على المحسوسات

(ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) إذ لم يوجد اللّه فيه علما باللذات الحقيقية العقلية ولا بالحسية التي تكون هناك وليس ذلك لبخل من اللّه بل لعدم استعداده له (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ) أي كان استعداده الضلال (عَنْ سَبِيلِهِ) بعد مبالغته في بيانه (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى) أي كان استعداده الهدى وان لم يبالغ له في بيانه كعامة المقلدين للعلماء

(وَ) كيف لا يكون فعله بحسب الاستعدادات وقد وضع كل شيء في موضعه مع ان له ان يضعه في غير موضعه إذ (لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فهو انما وضع كل شيء ليدل على الجزاء (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا) باتيان الحكمة دون غايتها (بِما عَمِلُوا) فإنها وان كانت مخلوقة للّه تعالى لكنها لما كانت بحسب استعداداتهم واختيارهم وقد اتصفوا بها اتصافا يوجب لهم موضعا نازلا أنزلهم فيه (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا) بابلاغ الحكمة غايتها (بِالْحُسْنَى) أي بالمثوبة التي هي أحسن من أعمالهم عشر مرات فصاعدا لا بحسب الاستعداد المحض بل تفضلا منه ولذلك أسقط عنهم استعداد الحاصل من اكتساب الصغائر بلا اصرار عليها فهم

(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ) الموجبة للحد او الموعود عليها بالشدة (وَالْفَواحِشَ) التي يكون فسادها أكبر من فساد الأوّل بل يجتنبون المعاصى كلها (إِلَّا اللَّمَمَ) أي ما قل من الصغائر فإنها مغفورة لهم بمجرد اجتناب الكبائر والفواحش وان لم يكن معها حسنات زائدة تفضلا من اللّه تعالى بستر استعدادها ولا يبعد ذلك على اللّه (إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ) أي الستر لها كيف وقد ستر على المحسنين استعدادهم من منشئهم الأرضى والدموى إذ (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) فلا تخلون عن استعداد جاذب إليها (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ) تغتذون بدم الطمث إذ لا غذاء لكم سواه (فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ) فلا تخلون عن استعداد الخبث (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) عن هذا الاستعداد إذا احسنتم واجتنبتم الكبائر لكنه رجح استعداد التقوى منكم إذ (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) مقتضى استعداد الخبث لكنه أمر خفى لا يطلع عليه سوى علام الغيوب وان بالغ في تزكية النفس وتصفية القلب

(أَ) ترى الاطلاع على غيب اللّه لغير المتزكى مع عدم الاطلاع على غيب النفس للمتزكى (فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى) أي أعرض عن التزكية بل عن أصلها وهو الإيمان باللّه وهو الوليد بن المغيرة اتبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له مشرك تركت الاشياخ وضللتهم فقال انى خشيت عذاب اللّه فقال ان أعطيتنى كذا من المال تحملت عنك

(وَأَعْطى قَلِيلًا) في مقابلة العذاب الشديد الابدى (وَأَكْدى) أي قطع عطاء الباقى

(أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ) بأن الآخذ تحمل عنه هذا العذاب واسقط عنه لا بطريق الاستدلال من الشاهد على الغائب لمخالفته ما يرى على من خرج على الملوك بهذا الطريق وكانه يدعى الكشف على خلاف مقتضى العقل (فَهُوَ يَرى) اكوشف بذلك على خلاف كشف الانبياء

(أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى) أي صحف التوراة الماضية في مواضع كثيرة على خلاف ذلك مع صحة كشفها عند من يعتد به من العقلاء

(وَ) لو زعم انه لا يعتد بكشفه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت