تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 308
من نسج العنكبوت وهي ان لها ميلا مستديرا والخرق انما يكون بالمستقيم وهو يقتضى ثبوت مبدئه وبين المبدأين تناف ورد بأنه لا يمتنع اجتماع المبدأين وانما يمتنع اجتماع الحركتين على أنهما اجتمعا في دحرجة الكرة ولا يمتنع تعاقبها وابعد منها الاستدلال بامتناع الحركة المستقيمة على المحدّد إذ لا يبقى محدّدا وسائر الافلاك على طبيعته فهذا قياس بلا جامع على ما لا يتم الا في المحدد
(وَ) ليس إنكارهم الساعة لعدم ما يدل عليها بل لأنهم اعتادوا انهم (إِنْ يَرَوْا آيَةً) تدل على وجود اللّه أو توحيده أو النبوة أو القيامة (يُعْرِضُوا) عن دلائلها وان كانت بديهية (وَ) يتمسكوا في إنكارها باوهى الشبه بأن (يَقُولُوا سِحْرٌ) مع ظهور الفرق بين المعجزة والسحر فإن قيل كيف سحر الدنيا وكيف بلغ سحره السماء يقولوا سحر (مُسْتَمِرٌّ) يعم الأرض والسماء والأزمنة والخلق
(وَ) لو ذكر لهم معجزة قولية لا مجال للسحر فيها أو دليل عقلى أو نقلى من كتب الأوّلين (كَذَّبُوا وَ) لم يكن تكذيبهم عن نظر بل عن تعطيله حيث (اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَ) لم تكن لهم شبهة قادحة في دلالة المعجزة أو الدليل العقلى أو النقلى بل (كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) بحيث لا يلتفت العقل منها إلى شبهة تورد عليها لو اوردت كما في مقابلة البديهيات
(وَ) لم يكن مدلول تلك الدلائل مما لا يبالى له اعنى الساعة فانه (لَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ) أي الاخبار الصادقة في اهواله وشدائده (ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) أي زجر كامل وهي لو لم تكن من الانباء لوجب قبولها لأنها
(حِكْمَةٌ بالِغَةٌ) أي علم محكم بلغ غاية التحقيق في نفسه فإذا لم تغن تلك الحكمة بنفسها (فَما تُغْنِ النُّذُرُ) بها وان ايدوا بالمعجزات الكثيرة فإذا تولوا عنك وعن انبائك التي هي الحكمة البالغة يوم لا يظهر لهم اظهار الحاجة إلى تعرف ذلك للتوقى عن ضرر اهوال الساعة
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) أي اعرض عن تعريفهم وشفاعتهم يوم يحتاجون إلى ذلك كل الاحتياج (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) اسرافيل (إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ) لم يعرفوه لاعراضهم عن معرفته في الدنيا ولا يمكنهم معرفته يومئذ بالبصر لكونهم
(خاشِعًا) أي ذليلا (أَبْصارُهُمْ) بحيث لا يمكنهم النظر إليه من فظاعته ولو امعنوا النظر لم يمكنهم التأمل فيه لوقوعه حين (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ) أي القبور من غير تاخير يفيدهم أنسا بتلك المواطن والاجتماع يتعاون فيه بعضهم ببعض في النظر والتأمل لوقوعه حال تفرقهم (كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) ولا يكون لهم في الانتشار استراحة ساعة يتأتى معها النظر لكونهم
(مُهْطِعِينَ) أي مسرعين (إِلَى الدَّاعِ) من غير تلبث يستريحون فيه ومن ثمة (يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ) لا استراحة فيه ساعة ولا انس لشدائده واهواله المنكرة إذ يغير من شديد إلى أشد ومن منكر إلى انكر وكما تتولى عنهم هناك فكذا ههنا كيف والاصرار على دعوتهم مع إبائهم ملجئ إلى دعاء استئضالهم بحيث لا يبقى لهم نسل يرجى إسلامه كما وقع لنوح مع قومه فانه
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) بالحكمة البالغة التي جاء بها فايدها بمعجزاته (فَكَذَّبُوا عَبْدَنا) الذي علموا انتسابه إلى عظمتنا لجمعيته (وَقالُوا) لمن نظر في حكمته هو (مَجْنُونٌ) وكلامه جربزة (وَ) آذوه فوق ما يؤذى المجانين حتى (ازْدُجِرَ) عن التبليغ