تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 309
(فَدَعا رَبَّهُ) الذي رباه بالحكمة التي يغلب بها الخصوم (أَنِّي مَغْلُوبٌ) لعنادهم (فَانْتَصِرْ) لأغلبهم بالقهر بدل غلبة الحكمة
(فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ) التي فتحت لافاضة الحكمة التي بها حياة الأرواح والقلوب (بِماءٍ مُنْهَمِرٍ) أي منصب فوق قدر الحاجة ليصير سبب الحياة الظاهرة سبب الهلاك
(وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ) التي هي منبت الارزاق التي هي أسباب البقاء (عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ) الأرضى والسماوى ليجتمعا (عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) من إهلاكهم الكلى بعد ما كان سبب الحياة والبقاء لأنهم جعلوا الحكمة التي بها كمال الروح والقلب سبب نقصهما وهو الجنون
(وَ) لم نهلك نوحا لانا (حَمَلْناهُ عَلى) سفينة (ذاتِ أَلْواحٍ) غلاظ لا تنكسر بالامواج (وَدُسُرٍ) أي مسامير كبار تمنعها من التفرق ولا يخاف عليها الغرق إذ كانت
(تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) أي بحفظنا وانما خصصناه بالنجاة ليكون (جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ) أي لنوح الذي جاءهم ببحر من العلم وسفينة من الاعتقادات والأعمال والأخلاق فلما ردوهما اغرقهم اللّه ونجاه والمؤمنين واما جزاء تحمله المشاق فباق
(وَ) لكونه جزاء يعتبر به اللاحقون (لَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) تذكرة لمن بعدهم ان الماء قد فاق الجبل حتى جرت عليه مثل هذه السفينة الكبيرة
(فَكَيْفَ كانَ عَذابِي) بالاغراق لمن لم يكن فيها (وَ) كيف كان حال (نُذُرِ) بالنجاة عنه هذا لمن راى السفينة
(وَ) من لم يرها (لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) بهذه السفينة وغيرها (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) بوجه من وجوه تذكيره ثم اشار إلى ان عدم التذكير لا يمنع العدل بل يوجب مزيد الشدة فيه فانه
(كَذَّبَتْ عادٌ) هودا وحكمته ولم يعتبروا بما مضى على قوم نوح (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي) عليهم اشد من عذاب قوم نوح (وَ) كيف كان حال (نُذُرِ) في النجاة اعجب من حال نوح
(إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) شديدة الصوت لغلبة الاهوية الفاسدة عليهم المانعة من الاعتبار بما جرى على قوم نوح وهي وان كانت بشرى بين يدى الرحمة لكنها في الايام السعدة وهذه كانت (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) لا تنقطع نحوسته لمجئ يوم سعد لانتهائها إلى حيث
(تَنْزِعُ النَّاسَ) أي تقلعهم عن اماكهم ولو في حفر حفروها فتدق رقابهم (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ) أي اصول نخل بلا فرع (مُنْقَعِرٍ) أي منقلع ولم تصب هودا ولا المؤمنين
(فَكَيْفَ كانَ عَذابِي) مختصا بالكافرين (وَ) كيف كان حال (نُذُرِ) نجوا بلا واسطة سبب كسفينة نوح فالعبرة ههنا ازيد ولكنه لمن شاهد
(وَ) من لم يشاهده (لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أي لذكر مثله وما يفوق عليه (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) بشيء من إذكاره ولا يختص هذا بإنكار الحكمة بل يعم إنكار الرسل حتى لا يقال الواجب على كل شخص متابعة عقله لا الرسل فانه
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) دون حكمتهم
(فَقالُوا أَ بَشَرًا مِنَّا) لا من الملائكة المتصورين بصورة البشر (واحِدًا) يخالف جماعة العقلاء (نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا) لمخالفة عقولنا وعقول جماعة العقلاء (لَفِي ضَلالٍ وَ) هو موجب (سُعُرٍ) لأن الواجب متابعة عقله أو عقل الجماعة الكثيرة على ان أمر الارسال مستبعد
(أُلْقِيَ) من السماء (الذِّكْرُ عَلَيْهِ) أي الوحى (مِنْ بَيْنِنا) مع تقاربنا في العقل فلا القاء (بَلْ هُوَ) أي مدعيه (كَذَّابٌ أَشِرٌ) أي متكبر