تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 310
على قومه بهذه الدعوى فقال تعالى انهم وان علموا صدقه بالمعجزات وكذبهم في رد ما يشبه الضروريات
(سَيَعْلَمُونَ غَدًا) يوم استمرار العذاب عليهم (مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) هل هو القائل باستحالة الالقاء فتكبر على آيات اللّه أو غيره
(إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ) التي هي من أسباب هذا العلم قبل ذلك اليوم (فِتْنَةً لَهُمْ) أي اختبارا (فَارْتَقِبْهُمْ) أي انتطرهم هل يرونها من أسباب هذا العلم أم بلية عليهم بإهلاكهم وإهلاك مواشيهم (وَاصْطَبِرْ) لهذه الرؤية أياما
(وَنَبِّئْهُمْ) أي اعلمهم بهذا الاختبار (أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ) أي بين أنفسهم ومواشيهم وبين الناقة (كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) أي كل يوم في وقت الشرب يحضره صاحب النوبة دون غيره مبالغة في رعاية القسمة ثم لم يكفهم ومواشيهم تلك القسمة فاضطروا إلى قتلها
(فَنادَوْا صاحِبَهُمْ) قدار بن سالف ليصحبوه في شقاوته (فَتَعاطى) أي فتناول السيف وكان كافيا في المعصية ولكن لم يكتف به (فَعَقَرَ) أي قتل الناقة
(فَكَيْفَ كانَ عَذابِي) على عقر الناقة التي هي آيتى فضلا عنه على الكفر بصالح (وَ) كيف كان حال (نُذُرِ) في النجاة عنه مع كونه فيهم
(إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً) من جبرئيل تناسب ما حصل من الناقة حال تعذيبها بالقتل فماتوا (فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) أي الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته أو كالشجر اليابس الذي يأخذه من يعمل الحظيرة ففيه عبرة لمن رأى
(وَ) من لم ير (لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أي لذكر امثاله وما فوقه (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) بشيء من امثاله وكيف يرخص الإنسان ترك متابعة الانبياء اكتفاء بمتابعة العقل وكثير منهم يجعلونه تابعا لهواهم كقوم لوط علموا قبح الفاحشة ولكن جعلوا عقلهم تابعا لهواهم فكذبوا الرسل فانه
(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ) الذين انذروهم العذاب عليها فاقتضى ذلك إقامة الحد الدنيوى عليهم
(إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا) أي من يرميهم بالحصباء الحجارة الصغار (إِلَّا آلَ لُوطٍ) بنتيه معه (نَجَّيْناهُمْ) أي ابعدناهم عن مكانهم (بِسَحَرٍ) قبيل مؤاخذتهم بالصبح
(نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا) باعلامنا اياهم لأنهم شكروا نعمة الشهوة فلم يصرفوها إلى غير طلب النسل الذي خلقت له (كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) بالزيادة في تلك النعمة أو غيرها
(وَ) لم يسقط هذا الحد عنهم العذاب الأخروى لكفرهم فانه (لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا) أي تنازعوا (بِالنُّذُرِ) فكفروا
(وَ) لم يكن مؤاخذتهم قبل ظهور المعجزة فانهم (لَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ) ليذهبوا بهم (فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ) ليكون معجزة مصدقة لانذاره (فَذُوقُوا عَذابِي وَ) اثر ما قاله (نُذُرِ وَ) هو وان كان نوعا من العذاب لم يقتصر عليه بل
(لَقَدْ صَبَّحَهُمْ) أي دخل عليهم وقت الصباح (بُكْرَةً) أي اول البكرة التي هي وقت نزول الرحمة (عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ) دنيوى ثم برزخى ثم اخروى
(فَذُوقُوا عَذابِي وَ) اثر ما قاله (نُذُرِ) ضما للعذاب العقلى إلى الحسى (وَ) هذا وان لم يكن محسوسا في الدنيا يذكره القرآن
(لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وَ) كيف يوجب على الإنسان متابعة عقله وان لم يتبعه هواه فانه كثيرا ما يدعوه إلى التكبر كآل فرعون فانه
(لَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) فدعاهم عقلهم من عزتهم إلى التكبر على اللّه