تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 313
العلوم المختلفة في هذا الكتاب بحيث لا يدفع بعضها بعضا مع غاية كثرتها بل يجعل بعضها يجاور بعضا ويعاونه فانه الذي
(مَرَجَ) أي ارسل (الْبَحْرَيْنِ) العذب والمالح (يَلْتَقِيانِ) أي يتجاوران
(بَيْنَهُما بَرْزَخٌ) أي حاجز معنوى من أجله (لا يَبْغِيانِ) أي لا يبغى شيء منهما على صاحبه وقد جعل في الإنسان أمورا محسوسة وأمورا معقولة يخالط بعضها بعضا بالمعاونة لا بالتضاد
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) وكما لا يضر أحدهما الآخر في الاجتماع لا يضر في النتائج بل ينتج جواهر المسائل الكبار والصغار كما انه
(يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ) أي كبار الدر (وَالْمَرْجانُ) أي صغاره وإذا كان لاختلاف العلوم فيه هذه الفوائد
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وَ) هذه الفوائد لا تحصل الا بالسفر إلى اللّه تعالى على سفن الاعتقادات والأخلاق والأعمال الفاضلة الحاصلة عن الاجتهاد والتعمق كما ان
(لَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ) أي السفن التي صنعتها العبيد ليتجروا بها (فِي) سفر (الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) أي الجبال فكذلك تحصيل ما ذكرنا بالاجتهاد ينقل ثقلها وإذا كان في القرآن هذه الارباح
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) ثم هذه التجارة هي التي يبقى ربحها إلى أبد الآباد لبقاء ما يطلب بها دون سائر الارباح إذ
(كُلُّ مَنْ عَلَيْها) أي تلك الجوار من التجارة (فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) الذي يطلب بالسفر في اسرار القرآن إذ يظهر به انه (ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) فيفضى إلى الفناء فيه والبقاء به وهو غاية النعم فإذا حصلت لا يبالى لما دونه فإذا كان في القرآن هذه النعم
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) وهذه الفوائد التي تحصل بالسفر إلى اللّه انما تحصل بعونه وعونه بسؤاله بل لا بد من سؤاله في كل شيء فانه
(يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وفيضه وان كان دائما فهو يختلف باختلاف الأحوال والازمان إذ (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فهو يختلف باختلاف الاسئلة لأنها من جملة الأحوال ثم انه يفيض على أهل القرآن كل يوم شأنا من شؤنه
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) فإن زعمتم انا لا نفرغ لاستنباط هذه الفوائد من القرآن ولا للأعمال التي تنكشف بها قيل لكم
(سَنَفْرُغُ لَكُمْ) أي لمجازاة كل واحد منكم (أَيُّهَ الثَّقَلانِ) أي الانس والجن اللذان ثقل عليهما الاستنباط والعمل مع فيضهما الابدى وقد انعمنا عليكما بما لا يحصى من النعم فلا بد من ان من نسألكما عنها فإذا سألنا كما
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) وكيف لا تتفرغون لامر لا تخرجون عنه بحيلة من الحيل إذ يقال لكم
(يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا) أي تخرجوا (مِنْ أَقْطارِ) أي جوانب (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) بحيلة من الحيل (فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ) أي حجة قوية لا بشبهة واهية فإذا جعلنا تلك الحجة في القرآن
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) ثم ذكر ذلك الأمر وهو أنه
(يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ) أي لهب (مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ) أي فلا تدفعانهما الا بتلك الحجة فإذا علمنا كما تلك الحجة في القرآن
(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) فإن زعموا ان هذا النفوذ انما يتعذر قبل انشقاق السماء
(فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ) سهلت قيل إذا انشقت انشق معها الأرض فتظهر جهنم فتصل حرارتها لى السماء عن قريب (فَكانَتْ وَرْدَةً)