فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 78

تتم ببيع النفس لطلب مرضاة اللّه تعالى فقال

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) أي يبيعها حتى كانه ينساها (ابْتِغاءَ) أي طلب (مَرْضاتِ اللَّهِ) لا حظ من حظوظها فيعبده لذاته لا لدنياه ولا لآخرته (وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) الذين امحضوا عبادته فلم يكونوا اجراء سوء يرحمهم بإعطاء حظوظهم في الدنيا والآخرة إذ يتلذذون به فوق تلذذ أهل الدنيا بدنياهم وأهل الجنة بجنتهم وكثيرا ما يفيض عليهم حظوظها أيضا ثم أشار إلى ان بيع النفس ابتغاء مرضاة اللّه انما يتم بالانقياد للّه ظاهرا وباطنا ولا يتم مع طلب حظوظ النفس لأنه يعارض فيه ارادته بارادة الحق فقال

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ) فإن مقتضى الإيمان الانقياد له بالكلية فإن لم يتم فلا بد من الدخول فيه فادخلوا فيه (كَافَّةً وَ) لا مانع من الدخول فيه سوى اتباع خطوات الشيطان (لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) فانه وان جاءكم بلذات دنيوية أو أخروية يفوّت عليكم لذات أهل اللّه (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ) باتباع خطوات العدوّ (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ) على عداوته وعلى عظم لذات أهل اللّه ثم أهل الجنة واعتمدتم على حمله وكرمه وجوده (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فإذا أخللتم بمقتضى عزته بترك الانقياد له فلا بد ان يفعل بكم ما هو مقتضى حكمته من الفرق بين من قام بمقتضى عزته ومن أخل بها وكما انه جواد كريم لطيف فهو مانع منتقم شديد العقاب ثم أشار إلى انه لا يكفى في الدخول في السلم الانقياد الظاهر مع إنكار الباطن فانه مكر مع من يطلع على مكر الخلائق ولا يطلعون على مكره فقال

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ) بقهره مخفيا له (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ) أي السحاب الابيض الموهم كونه ماطرا اخفاءهم النفاق (وَ) تأتيهم (الْمَلائِكَةُ) الذين لا يبصرون بالقهر الذي لا شعور به أصلا بخلاف الذي في الغمام (وَ) لا وجه لانتظارهم إذ (قُضِيَ الْأَمْرُ) في حق المنافقين بذلك والانتظار مشعر بالتردد وكيف يتردد فيه (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) فإذا لم ينقادوا باطنا يكون رجوعهم إليه رجوع العبد الخارج على الملك إذا رد عليه قهرا ثم أشار إلى انه لا ينبغى لمن ينقاد للّه ان يغتر بما يظهر عليه من الخوارق فقال

(سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ) على رهبانيتهم على خلاف شريعتهم (مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) فصرفوها وهي نعم اللّه إلى معاصيه فأهلكناهم (وَ) هكذا (مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ) بمعصيته (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ) اشتد غضبه عليه (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) ثم أشار إلى ان الخوارق ان لم تقارن بالانقياد للّه لم تدل على القرب من اللّه بل على البعد منه حتى يكتسب بها لدنيا فيشبه الكفرة إذ

(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا) كيف (وَ) يكون سبب ازدرائه بالمؤمنين فيشبه الكفرة إذ (يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) بما فاقوا عليهم بأمور الدنيا كذلك أهل الخوارق يسخرون من العوام بما فاقوا عليهم بالخوارق بل على المتقين الذين لا خوارق لهم (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) وإن لم يفوقوا بالخوارق في الدنيا بل رزقهم اللّه الخوارق كرزق الكفرة الأموال (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) فمجرد التقوى أدل على القرب من الخوارق ثم أشار إلى انهم كيف عظموا بالخوارق انفسهم ولم يعظموا الانبياء بمعجزاتهم التي هي أعظم الخوارق مع افترانها بالدعوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت