تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 326
(الَّذِينَ يُظاهِرُونَ) أي يقولون لنسوتهم انتن علينا كظهور أمهاتنا يعنون في حرمة الركوب مع كونهم (مِنْكُمْ) جماعة المسلمين من أهل الناظرين إلى الحقائق يتخلصون بذلك (مِنْ نِسائِهِمْ) بجعلهن أمهاتهم مع انهن (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) بالحقيقة ولا في حكمهن بالمجاز إذ لا يقتضى المجاز أن يكون في حكم الحقيقة الا بقلب الحقائق لكنها لا تنقلب (إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) ولحوق الجدات والمرضعات للمشاركة في الاصالة وافادة التنمية (وَ) ليس ههنا من الملحقات شيء لذلك (إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ) في التجوّز بلا معنى ملحق للفرع بالاصل (مُنْكَرًا) وإن كان (مِنَ الْقَوْلِ) المتعارف لهم كيف (وَ) المجاز لا يكون زور الوجود العلاقة وهذا كان (زُورًا) لعدم العلاقة (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ) أي مجاوز عن هذه المعصية لو لم تعودوا (غَفُورٌ) بالكفارة لوعدتم
(وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ) قيد بذلك لأن ظهار الاجنبية لا يوجب الكفارة لوجود الحرمة هناك أولا فلا يكون القول منكرا وزورا محضا (ثُمَّ يَعُودُونَ) بالتدارك (لِما قالُوا) وهو امساك المظاهر عنها زمانا يمكنه مفارقتها منه تنزيلا لسبب الجماع منزلته وعند أبى حنيفة باستباحة استمناعها ولو بالنظر بشهوة وعند مالك بالعزم على الجماع (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي فالواجب عليهم اعتاق رقبة وقيدها الشافعى بالمؤمنة قياسا على كفارة القتل (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) أي يجامعا إذ لا داعى إلى أدائها بعده (ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) لإشعاره بان هذا الجناية تجعل رقبة الجانى أسيرة فيفكها باعتاق مثلها (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ) من المماسة قبل الكفارة (خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) رقبة (فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ) لأنه لكونه ضعف الواجب الاصلى في التجويع صار كالقتل وتأكدا بالتتابع والقتل فك من الاسر وهو أيضا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) لكن لو جامع المظاهر ليلا لم ينقطع التتابع عند الشافعى وينقطع عند ابى حنيفة ومالك (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) تتابع الصوم هذه المدة لهرم أو مرض أو شيق مفرط (فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) أي تمليك ستين مسكينا ستين مدا وهو رطل وثلث وعند أبى حنيفة يعطى كل مسكين نصف صاع من برّ أو صاعا من غيره لأن المعطى للغير أمسك عنه صاحبه فكأنما صامه وهو أيضا من قبل أن يتماسا لكنه لم يذكره اكتفاء بذكره في المبدل عنه وأباح أبو حنيفة ومالك التماس قبل الاطعام (ذلِكَ) الصوم والاطعام لما كانا بمنزلة قتل النفس أفاد تصفية القلب (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَ) من لم يحصل له التصفية يجب عليه لأنه حد اللّه إذ (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) التي يجب الإيمان بها وان لم تعقل وكذا العمل بها (وَلِلْكافِرِينَ) بحدوده لترجيحهم عقولهم (عَذابٌ أَلِيمٌ) على إنكارها وترك العمل بها وكيف وهم يحادون اللّه
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ) أي يخالفونه في حدود معقولة أو غيرها (وَرَسُولَهُ) الذي هو الاصدق من العقل (كُبِتُوا) أي أخروا عن حد الإنسانية ولا يبعد فانه (كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) حين اعتمدوا في مخالفة الرسل على عقولهم (وَ) كيف يرجعون إلى عقولهم بعد ظهور صدق الرسل بالضرورة إذ (قَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ) بحيث لا تقبل معارضة عقل ولا غيره فإذا رجحوا عقولهم عليها كانوا مستهينين بها وبمنزلها وبالرسل (وَ) لذلك يكون (لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ)