تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 334
بالنقائص حتى صح ان يقال فيهم (أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) أي الكاملون في الفسق لا غيرهم ولا ينبغى أن يلحظ خذلان اللّه بعض العاملين وانجاؤه بعض الفاسقين فانهما لا يستويان لو خذلا أو نجيا كما
(لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ) بل العاملون فائزون بالدرجات أو بتخفيف العذاب كما انه (أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ) بالنعيم والقرب لكنه يجب أن لا يزال الخوف عن قلوب العاملين وان ارتفعوا فيهم ارتفاع الجبال سيما بعد سماع مواعظ القرآن فانه
(لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ) الجامع للمواعظ الموجب للنظر والتقوى بكل حال (عَلى جَبَلٍ) بتفهيمه له وتكليفه بما فيه بعد إعطاء القوى المدركة والمحركة (لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا) أي متذللا لعظمة اللّه (مُتَصَدِّعًا) أي متشققا (مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) مع عظم مقداره وغاية صلابته (وَتِلْكَ) الأمور وان كانت وهمية مفروضة فلا بدّ من اعتبارها لأنها (الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ) الذين نسوا صغر مقدارهم فتكبروا ولينهم فقست قلوبهم (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ليعلمو انهم أولى بذلك الخشوع والتصدع وكيف يترك الخشوع والتصدع لذات اللّه واسمائه مع انه
(هُوَ اللَّهُ) له هوية تقتضى الهيته فيجب ان يخشع لها سيما من جهة توحيده لأنه (الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ويتصدع من خشيتها لأنه (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) والمطلع على الاسرار يجب ان يخشع له ويخشى منه سيما من حيث (هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) المنعم بالنعم العامة والخاصة وحق المنعم ان يخشع له ويخشى أن تسلب نعمه وكيف لا يخشع للهوية باعتبار الالهية والتوحيد مع اقتضائها الملكية التي بها خشية الرعية وخشوعهم إذ
(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ) مع انه (الْقُدُّوسُ) أي المنزه عن العلائق فلا يناسبه نفس لم تزك عنها فيخاف ابعادها (السَّلامُ) عن النقائص فلا يناسبه المتصف بها على انه (الْمُؤْمِنُ) أي المعطى الامان عن العلائق والنقائص لمن زكى نفسه فلا عذر لمن لم يترك عن العلائق ولم يتصف بالكمالات مع انه (الْمُهَيْمِنُ) الرقيب الذي ينظر من يعمل ليأمن من العلائق والنقائص ومن لم يعمل له وكيف يناسبه او العلائق والنقائص مع أنه (الْعَزِيزُ) وذو العلائق والنقائص ذليل والذلة وان كانت ذاتية للعبد لكنه (الْجَبَّارُ) يجبر نقائص العبد بكمالاته وإذا كمل فلا ينبغى ان يدعى الكمال لنفسه لأنه (الْمُتَكَبِّرُ) فيخاف ان يغضب على من يدعى لنفسه لأنها على الاطلاق دعوى الالهية (سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ثم ان هويته يجب ان يخشع لها ويخشى من حيث
(هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ) والخلق تقدير الأشياء بالمقادير المخصوصة فيخشى فيه نقص المقادير ومن حيث هو (الْبارِئُ) الذي برأ خلقه من التفاوت وانما هو من استعداداتهم واستعداد الخاشع الخاشى أقبل للكمالات من حيث هو (الْمُصَوِّرُ) الموجد للصور إذ يخاف من مخالفته تغيير الصورة إلى أدنى ومن موافقته إلى أعلى إذ (لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) يظهر بها فيمن يوافقه ويدل على ظهوره بها انه (يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَ) لكن يخفى جماله في البعض من حيث (هُوَ الْعَزِيزُ) لأنه انما يظهر في الكل بحسب استعداده إذ هو (الْحَكِيمُ) تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين