تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 356
فى الآخرة (كَيْفَ نَذِيرِ) أي ما انذركم به من ارسال الحاصب وان صدقتموهم في اخبارهم السماوية فهذا تكذيب منكم للانبياء
(وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) فانكرت عليهم بالاخذ الشديد (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أَ) يزعمون انهم لو لم يصدقوا الشياطين في أخبارهم يقع عليهم الأمر السماوى عن غفلة منهم
(وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ) مع كونهن في محل السقوط لكونهن (فَوْقَهُمْ) فإن أمسكهن كونهنّ (صافَّاتٍ) أي باسطات أجنحتها (وَ) لكن لا يؤمن عليهن إذ (يَقْبِضْنَ) أجنحتها فحينئذ (ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ) من رحمته بهن فالمتوكل أولى إذا قصده شيطان (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) ثم غاية الرقى والادوية انها جند يهزم أعداء الأمراض فهل تعتقدون إذا حاربتم بجنودكم ان اللّه ينصركم
(أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ) وقد ظهر لكم غلبة فئة قليلة فئة كثيرة باذن اللّه لكنكم من كفركم باللّه تغترون بجنودكم (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) بالظاهر من الحقيقة وان سلم ان الجند ناصركم فهم انما صاروا جندكم بما يعطيكم اللّه من الرزق أتعتقدون انكم ترزقونهم
(أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ) هو يرزقهم وان كنتم رازقيهم فهل ترزقونهم (إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ) عنكم فإذا لم ترزقوهم فكيف يبقون ناصرين لكم فهم ينصرونكم بما يعطيكم اللّه وهم لا يبالون بهذه المقدمات (بَلْ لَجُّوا) أي تمادوا (فِي عُتُوٍّ) أي عناد (وَنُفُورٍ) شراد عن الحق لتنفر طباعهم عنه
(أَ) تعتقدون ان من نظر إلى الأسباب السفلية أهدى ممن نظر في مسبب الأسباب (فَمَنْ) أي فهل من (يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ) بالنظر في الأسباب (أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا) بالنظر إلى المسبب مع كونه (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) بجعل الأسباب مظاهر أسمائه المؤثرة واللّه تعالى مؤثر عندها لا بها لكنه يراعى الحكمة في ترتيب الأمور فإن ادعوا استقلال الأسباب
(قُلْ) لا شك ان جماع الوالدين سبب تكوين الولد لكن يعلم بالضرورة انه لا تأثير له في انشائه ولا في اعطائه القوى ومحالها بل اللّه (هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ) فإن نسبتموها إلى الافلاك (قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ) بتوفية حقه في التوحيد وانفراده بالتأثير فإن زعموا ان للأسباب معه تأثيرا
(قُلْ) لو صح ما ذكرتم فلأعمالكم أثر في الجزاء إذ (هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ) أي بثكم ليستعملكم (فِي الْأَرْضِ) أعمالا (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) لجزائكم فالأعمال أسباب فلم تعطلونها
(وَيَقُولُونَ) انما نعطلها لأنه لا تظهر آثارها في مدة معلومة (مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) وانما لا تظهرونه لئلا يظهر كذبكم إذا لم يقع الحشر عنده
(قُلْ إِنَّمَا) لا نعينه لأن اللّه أبهمه لأنه ان قرب تعطلت أمور الناس من خوفه وان بعد لم يلتفت إليه فلذلك كان (الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ) لا عند غيره (وَ) انما أكون كاذبا لو عجزت عن دلائل وقوعه لكن (إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) بالدلائل القاطعة مع المعجزات المصدقة لى ولو عينت لكم وقته لا نتظرتم قربه
(فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً) أي ذا قرب (سِيئَتْ) أي قبحت (وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بغبرة ترهقها قترة (وَقِيلَ) أي قالت الزبانية (هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) انه لا يكون فإن قالوا بل يسيء وجوهكم لافترائكم على اللّه بالنبوّة
(قُلْ أَ رَأَيْتُمْ) أي اخبرونى عن ترددكم في أمرنا مع تيقن أمركم (إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ