فهرس الكتاب

الصفحة 840 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 379

وجوه دلالتها (سَعِيرًا) والشاكر اما من الابرار أو المقربين بالأعمال أو الأحوال

(إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ) أي خمرا بدل السعير (كانَ مِزاجُها) بدل حرارة السعير ونتنه (كافُورًا) أي بماء عين الكافور ذى البرودة والرائحة الطيبة وكانت عين الكافور

(عَيْنًا) مخصوصة لمقربى الأعمال ولذا (يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ) المقربون لكونهم أرباب اليقين البارد أولى الروائح الطيبة وكيف لا وهم (يُفَجِّرُونَها) في الدنيا بأعمالهم (تَفْجِيرًا) لانفسهم ولمن دونهم وذلك انهم

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) أي بكل ما ألزموا أنفسهم من الوظائف التي هي في الاصل نوافل (وَ) يأتون بنوافل لم ينذروها لأنهم (يَخافُونَ) لو تكاسلوا ان يلحقهم ظلمات الطبع الداعية إلى المعاصى التي تضرّهم (يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) أي منتشرا

(وَ) قد بالغوا في قطع الشح المطاع من جملة تلك الظلمات إذ (يُطْعِمُونَ الطَّعامَ) غالبين (عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا) عجز عن تحصيله (وَيَتِيمًا) وهو أعجز منه (وَأَسِيرًا) هو أعجز منهما وان صاروا في الاحتياج إليه مثلهم* عن ابن عباس رضى اللّه عنهما ان الحسن والحسين رضى اللّه عنهما مرضا فعادهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ناس فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت عن ولدك فنذر على وفاطمة وفضة جارية لهما رضى اللّه عنهم صوم ثلاثة أيام ان برئا فشفيا فصاموا وما معهم شيء فاستقرض على من شمعون الخيبرى ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة رضى اللّه عنها صاعا وخبزت خمسة اقراص فوضعت بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم مسكين فآثروه وباتوا لم يذوقوا الا الماء وأصبحوا صياما فلما أمسوا ووضعوا الطعام وقف عليهم يتيم فآثروه تم وقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك فنزل جبريل عليه السّلام بهذه السورة وقال هناك اللّه في أهل بيتك وقد صرحوا في ذلك بقطع ظلمات الطبع إذ قالوا

(إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) إذ (لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً) أي عوضا محسوسا (وَلا شُكُورًا) أي ثناء هو عوض معنوى إذ يعود معهما ظلمة الطبع فيعود خوف اليوم المذكور

(إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) شديد العبوس وانما وصف اليوم ههنا بعد ما وصفه بما يشعر تصور الشح المطاع لأنه يوهم منه انهم قصدوا بذلك دفع الحياء من جمع ذلك بالشح المطاع وهو يتضمن الرياء بما ذكر لأن الايثار لذلك رياء وهو أشد من ترك الايثار من أجل الشح لأن الشح ليس بشرك والرياء شرك

(فَوَقاهُمُ اللَّهُ) الذي خافوا منه أن يبتليهم بشر يوم القيامة (شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ) مع كونه مستطيرا (وَ) لم يوصل إليهم أثر كونه عبوسا قمطريرا بل (لَقَّاهُمْ نَضْرَةً) حسنا بدل العبوس القمطرير (وَسُرُورًا) في قلوبهم بدل الاحزان

(وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا) على وفاء ما التزموا وعن المعاصى (جَنَّةً) بداء السعير (وَحَرِيرًا) من ظهور صفاتهم الناعمة من أعمالهم

(مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ) ليكونوا كالملوك جزاء على ما عبدوا ربهم (لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا) حرارتها (وَلا زَمْهَرِيرًا) برودته جزاء على ما تحملوا من مشقة العبودية بل يصير هواؤهم معتدلا لتعديلهم الأخلاق والأعمال

(وَدانِيَةً) أي قريبة (عَلَيْهِمْ ظِلالُها) أي ظلال أشجار الجنة التي هي جزاء أعمالهم التي تقربوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت