فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 89
لا لافراط قوّة القليلة بل مع ضعفهم (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي بتيسيره (وَ) يرجى ذلك للصابرين إذ (اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) كما لم يجبنوا عند مجاوزة النهر لم يجبنو الرؤية جالوت وجنوده ولم يعجبوا لشجاعتهم أيضا بل
(وَلَمَّا بَرَزُوا) أي ظهروا (لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ) إذ دنوا منه (قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ) أي افض (عَلَيْنا صَبْرًا) في قتالهم فلا نجزع للجراحات طلبوه أولا لأنه ملاك الأمر (وَثَبِّتْ أَقْدامَنا) في مكان الحرب فلا نهرب منه وهو مسبب للصبر ثم طلبوا النصر المرتب عليهما فقالوا (وَانْصُرْنا) لانا مؤمنون بك (عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) بك
(فَهَزَمُوهُمْ) أي هؤلاء القليلون اولئك الكثيرين (بِإِذْنِ اللَّهِ) إذ شجع القليلين وجبن الكثيرين (وَقَتَلَ داوُدُ) الذي كان أضعف عسكر الضعفاء (جالُوتَ) الذي هو رأس الاقوياء وروى انه عز وجل أوحى إلى شمويل ان جالوت يقتله أصغر أولاد ايشى وكان مع أولاده السبع في عسكر طالوت فطلبه من ابنه فجاء وقد كلمته في الطريق ثلاثة أحجار إنك تقتل بنا جالوت فحملها في مخلاته ورماه بها فقتله فخص بهذه الشجاعة العظيمة التي قوى بها جماعة الضعفاء المحصورين وضعف بها جماعة الاقوياء الغير المحصورين (وَ) لم يقتصر في حقه عليها بل (آتاهُ اللَّهُ) مع ذلك (الْمُلْكَ) الذي استولى به على الاقوياء والضعفاء (وَالْحِكْمَةَ) التي لا نسبة لخير الملك إلى خيرها الكثير (وَ) مع ذلك (عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ) من اسرار العلوم (وَ) انما قوى اللّه هؤلاء الضعفاء وأعطى بعضهم الملك والحكمة ومن سائر العلوم ليدفع فساد الاقوياء بالسيف والشبهات وسوء العشيرة إذ (لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ) من أهل الشر (بِبَعْضٍ) من أهل الخير (لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) أي مضى فسادها ولم يعد إلى صلاح فهو وان قهر الجمهور لم يقصد به عموم القهر بل دفع عموم الفساد للاوقات كيف وانما يتركه من لا يعم فضله (وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ) ولذلك انما قهر من قهر بعد اظهار الآيات على ألسن الرسل وقد أراد الآن إزالة الفساد العام أيضا بارسالك مع الآيات إذ
(تِلْكَ) المذكورات من اماتة الالوف واحيائهم وتمليك طالوت واتيان التابوت وانهزام جالوت وقتل داود اياه وتملكه (آياتُ اللَّهِ) إذ هي أخبار غيوب تدل على كمال قدرته وحكمته ولطفه (نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ) الثابت عند أهل الكتاب والتواريخ (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) بتلك الآيات وآيات اخر تفوق آيات الأوّلين ثم أشار إلى انه عز وجل وان كان ذا فضل عام على الناس لم يكن رافعا للفساد من أصله لأنه أوجب التفاوت في الناس حتى الرسل الذين لهم غاية الكمال الإنسانى إذ
(تِلْكَ الرُّسُلُ) حزقيل واشمويل وموسى وهرون وداود ومحمد عليهم السّلام ليسوا بالسوية بل (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) إذ (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ) كموسى عليه السّلام بلا واسطة (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) كداود آتاه اللّه النبوّة والرسالة والخلافة والملك والحكمة فلا يبعد ان يرفع محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم درجات كتكليمه ليلة المعراج ورؤيته وتقريبه قاب قوسين وتعميم دعوته وتعظيم آياته وحججه وتكثيرهما وتكثير فضائله العلمية والعملية (وَ) لا يمنع التفضل على موسى وداود إذ (آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ) التي هي أكمل من آيات موسى وداود كابراء الاكمه والابرص واحياء الموتى