ضياء الدين عمر والد الإمام فخر الدين الرازي من الري. وتفقه واشتغل بعلم الخلاف والأصول حتى تميز تميزا كثيرا وصار قليل المثل، وكان يدّرس بللري، ويخطب في أوقات معلومة هناك، ويجتمع عنده خلق كثير لحسن ما يورده من علم وفقه، حتى اشتهر بذلك بين الخاص والعام، وله تصانيف عدة في الأصول وفي الوعظ .. وغير ذلك .. ويقول عنه تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية:
كان فصيح اللسان، قوي الجنان، فقيها أصوليا، متكلما صوفيا، خطيبا، متحدثا، أديبا، له نثر في غاية الحسن تكاد تحكى ألفاظه مقامات الحريري من حسنه وحلاوته، ورشاقة سجعه. ومن نظر في كتاب"غاية المرام"وجد برهان ذلك.
من هذا الأب المعلمة أخذ الفتى فخر الدين مبادئ الفقه والأصول والتفسير والحديث، وكان تابعه في حله وترحاله، في قاعات درسه، وفي منتدى بيته، وكانت أذنه اللاقطة وذهنه اللماح يستوعبان كل ما يتلفظ به الأب وتجود به قريحته، واستمر على ذلك حتى وقف على أعتاب الشباب ووضع الوالد بين يديه كنوز المعرفة، وخزائن الكتب، واستمر الوضع على ذلك حتى قبض والده وذهبت روحه إلى ربها، عندها لازم الشاب عالم العلماء وشيخ المشايخ الإمام الجيلي، وعليه تخرج وبصحبته انتفع، وعندما انتقل هذا الشيخ إلى بلده"مراغة"موطنه وداره صحبه الرازي إليها"."
ونتساءل: كم من السنين عاشها مرافقا لهذا الشيخ الجليل؟ ومتى أتى إلى بغداد ليعرض على العلماء نتائج عقله، وثمرة قريحته؟
إن التاريخ يكاد يصمت عن هذه الفقرة، فلا يتناولها من قريب أو من بعيد، ولا يلتفت إليه، يدلنا على بعض أعماله، ولا شك أن الفخر الرازي كان يعد نفسه إعدادا جيدا لما يهيئ نفسه له من مجادلة الفرق ومناقشة المعتزلة، والدفاع عن مذهب الشافعية، وما يريد أن يفعله من إبراز فكر الإمام الشافعي وفقهه،