كان المجتمع في عصر الفخر الرازي مجتمع الاضطراب والاختلاط والفوضى التي لا تقف عند حد، وكيف لا يكون كذلك وقد تشابكت فيه الأمور، وتداخلت فيه حربان ضاريتان.
الأولى: الحروب الصليبية، وفيها اختلط الناس اختلاط عادات وتقاليد، اختلاط حضارات وثقافات. ولا شك والحرب قائمة، والرماح مشرعة، والسيوف تطيح بالرقاب، أخذ الغرب من عادات المسلمين ومعتقداتهم الشيء الكثير، فأصبح لكثير منهم منهجا وسلوكا، ولبعضهم صار نظام حياة، وكذلك ما جاء به الغرب من تنظيمات للحرب والسلم، ومن قوانين للتجارة والمعاملات، ومن أسس قيام الحياة الاجتماعية في الغرب التي لها بريق ورنين، اشرأبت لها بعض النفوس في الشرق وصارت لها سلوكا في مجتمعاتها الخاصة، وحياتها اليومية.
الثانية: ما أحدثته الحروب الصليبية جاءت وعمقته الحرب الثانية التي شنها المغول والتتار على الجزء الأكبر من البلاد الإسلامية، فشتت الكثير من أهل هذه البلاد وأضعفت اقتصادياتها وأجدبت أرضها، وقضت على الكثير من الأيادي العاملة فيها.
ويصور لنا ابن كثير ما حدث في القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن بقوله:"قل المطر في بلاد الجزيرة والموصل، فحصل الجدب والقحط، وارتفعت الأسعار، وعدمت الأقوات، بحيث أكلوا كل ما وجدوا من الجمادات والحيوانات، ولما قلت الأموال التي يشترون بها ما يسدون به رمقهم وباعوا كل ما يملكونه، حتى أولادهم وأهليهم،"