اعلم أن هذه المناظرة التي شرحها اللَّه تعالى في قوله عز وجل: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [1] .. إلى آخر الآية. واعلم أنه تعالى لم يذكر في هذه الآية وجه الحكمة على التفصيل في تخليق الإنسان ولم يزد عليهم قوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وللعلماء في هذا المقام طريقان:
الأول: الطريقة الإجمالية التي ذكرها اللَّه تعالى في هذه الآية وتقريرها أنه جل وعز قادر على جميع المقدورات منزه عن جميع الحاجات عالم كل المعلومات .. وإذا كان الأمر كذلك كان لا محالة عالما بأنه ما الذي ينبغي فعله وما الذي ينبغي تركه فكان عالما لا محالة بكونه غنيا عن كل شيء ومن كان غنيا مما ينبغي وما لا ينبغي كان عالما بكونها غنيا وإذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامه على ما لا ينبغي وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن كل ما يفعله اللَّه سبحانه وتعالى حكمة وصواب وأنه منزه عن فعل العبث كما قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا [2] ومنزه عن فعل اللعب كما قال تعالى: ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلّا بِالْحَقِّ [3] ومنزه عن فعل الباطل كما قال: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [4] بل كلما فعله إنما فعله بالحق وللحق كما قال: ما خَلَقْناهُما إِلّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [5]
(1) البقرة: (30) .
(2) المؤمنون: (115) .
(3) الأحقاف: (3) .
(4) ص: (27) .
(5) الدخان: (39) .