على وجود الصانع الحكيم أعلم أنه تعالى ذكر الاستدلال بوقوف الطير في الهواء على وجود الصانع المختار في مواضع من القرآن العظيم. أحدها قال في النحل: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [1] ، ثانيها: قال في النور: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ [2] ، وثالثها: قال في الملك: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [3] .
أما الآية الأولى فنقول قرأ عامر وحمزة والكسائي"ألم تروا"والباقون بالياء على الحكاية لمن تقدم ذكره. حجة من قرأها على المخاطبة إن ما قبل هذه الآية مخاطبة وما بعدها مخاطبة فوجب أن تكون هذه الآية أيضا مخاطبة، أما إن قبلها مخاطبة وهو قوله تعالى"وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"وأما ما بعدها مخاطبة فهو قوله تعالى"وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ". وإذا ثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها على سبيل المخاطبة حتى يكون النسق واحدا في الكل. حجة القراءة الثانية أن الغرض من ذكر هذه الآية الإرشاد إلى الدليل، والإرشاد إلى الدليل إنما يحتاج إليه الجاهل لا العالم فوجب أن يحمل هذا على لفظ المغايبة صرفا له إلى الكفار
(1) النحل: (79) .
(2) النور: (41) .
(3) الملك: (19) .