اعلم أن أول المخلوقات على قسمين:
منهم من كان من جملة المكلفين ومنهم من لم يكن كذلك.
وأجمع العقلاء على أن المكلف أفضل ممّن لا يكون مكلفا وكيف لا يكون كذلك وقد قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ [1] وهذا نصّ صريح في أن المقصود من الخلق إنما هو التكليف وإذا كان كذلك فكلما بقى من الخلق من يكون قائما بعهدة التكليف بقي عالم الخلق فاذا لم يبق أحد يقوم بأداء التكليف صار عالم المخلوقات عبثا والحكيم لا يرضى بالعبث وحينئذ تخرب السماوات والأرضون وتقوم القيامة. فاذا تأملت هذا علمت أن قيام السماوات والأرضين والجبال والبحار ودوران الشمس والقمر والنجوم كلها كالكفيل على قيام ذلك الشخص الأشعث الأغبر الذي ترده الخلق ولا يقبله أحد من الناس وهو قائم بأداء تكليفات الله فهو قائم بأداء التكليف ومشتغل بأداء العبودية والسماوات والشمس والقمر والنجوم والعناصر والمواليد باقية تبعا لبقائه. فجملة ملوك الأرض إنما يأكلون من فتات سفرته وإنما يشربون من بقية ماء في زكوته وهذا هو المراد من قوله عليه السلام: إن لله عبادا في العالم هم السبب الأصلي في مصالح أهل العالم فبهم يمطرون وبهم يرزقون وفي كل جنس واحد هو أكملهم وأجلهم ولهم أصحاب يقربون منه فذلك الأكمل الأقوى في القيام بعهدة أوامر الله وهو المسمى بقطب الأرض والذين يقربون منه ولكنهم بعدما وصلوا إليه فهم أصحابه [2] .
(1) الذاريات: (56) .
(2) لم نره في المراجع التي بحوزتنا وعلامة الوضع عليه ظاهرة.