اعلم أنه استدل على وجود الصانع وقدرته وحكمته بأحوال البهائم وذكرها في الكتاب كثيرة وأجمعها ما ذكر في سورة النحل فقال: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ [1] اعلم أن هذه الحيوانات مخلوقة لمصلحة المكلفين وكل حيوان كان انتفاع المكلف به أكثر كان أشرف ومعلوم أن انتفاع المكلفين بالأنعام أكثر من انتفاعهم بغيرها وذلك لأن الأنعام ينتفع بها في الأكل وذلك بأكل لحومها وفي الشرب بشرب ألبانها وذلك باتخاذ الملابس من أصوافها وأوبارها وبالركوب وذلك لركوبها وبالحمل وذلك بأن يحمل أمتعتهم في الأسفار وفي كثرة المال وذلك بسبب درها ونسلها وفي التجمل بها وذلك لأنها أموال طاهرة فيحصل التجمل بها ولما كان انتفاع الناس بالأنعام أكثر من انتفاعهم بسائر الحيوانات لا جرم كانت الأنعام أشرف أنواع الحيوانات، فلهذا السبب قدمها الله تعالى في الذكر على سائر الحيوانات، قال تعالى:"وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ"ثم أنه تعالى فصل القول في بيان منفعتها، فالمنفعة الأولى قوله"لَكُمْ فِيها دِفْءٌ"والمراد من الدفء هو اللباس وذلك لأن اللباس سبب الدفء فسمّى اللباس باسم الدفء وتحقيق الكلام أن الروح الإنسانية أشرف الأرواح السفلية بل هي سلطان الأرواح السفلية والسبب في هذا الشرف العظيم كونها مشرفة بتشريف الإضافة المذكورة في قوله"وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي"ولما كانت الروح الإنسانية أشرف الأرواح السفلية وجب أن يكون البدن الإنساني أشرف الأبدان السفلية وأشدها اعتدالا وأبعدها عن الكثافة والصلابة ولما كان
(1) النحل: (5) .