بدنه في غاية الاعتدال لا جرم لم ينبت على جلده الشعور الكثيرة فبقي عاريا عن الوطء والدثار الذي هو حاصل لسائر الحيوانات وإذا كان كذلك فلطافة مزاجه تحوجه إلى التصون عن الحر والبرد وكهباب الأهوية ورطوبات الأمطار فهذا هو السبب في احتياج الإنسان إلى الملبوس.
والمنفعة الثانية: قوله تعالى في هذه الآية"وَمَنافِعُ"اعلم أن ما قبل هذه الكلمة هو ذكر الدفء وما بعدها هو ذكر الأكل ولفظة"بالمنافع"مبهمة مجملة فلما قدم ذكر الدفء احتمل أن يكون المراد من هذه الآية بالمنافع هو المسكن.
ولما ذكر بعد هذه الكلمة الأكل احتمل أن يكون المراد من هذه المنافع المشروب. أما الاحتمال الأول فنقول الإنسان كما هو محتاج إلى الملبس فكذلك محتاج إلى المسكن وسبب الاحتياج من وجوه:
الأول: أن كل أحد من الناس قد يقدم على ما يستحي من اطلاع الغير عليه فلا جرم يحتاج إلى مسكن منفرد.
الثاني: أن الإنسان لا يمكنه الجلوس في الحر الشديد للشمس وفي الهواء البادر جدا ولا يمكنه أن يجلس في الرياح الشديدة والأمطار القوية فلا جرم يحتاج إلى المسكن.
الثالث: أن الإنسان يحتاج إلى ادخار الأموال والمطعومات والملبوسات ولا يمكن حفظها إلا بالدار.
الرابع: أن الإنسان يحتاج أن يحترز عن ضرر الأعداء من الناس والسباع وذلك لا يمكن إلا بالدار فلأجل هذه الوجوه يحتاج الإنسان إلى التفرد بالمسكن.
واعلم أن المسكن يجري مجرى الثوب في كونه ساترا للبدن ومانعا من