قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [1] هو قول لا إله إلا اللَّه وذلك لأن قولهم ربنا اللَّه إقرار بوجود الرب ثم إن من المقرين بذلك من أثبت له ندا وشريكا فالذين نفوا الشركاء والأضداد هم الذين استقاموا على النهج القويم والصراط المستقيم. واعلم أن القيام في القيامة بقدر الاستقامة في نفي الشركاء قال ابن مسعود المراد من قوله استقاموا نفي الشركاء فمن الناس من أثبت الشريك ظاهرا وهو الشريك الظاهر فالاستقامة في الدين لا تحصل إلا بنفي الشركاء كما قال تعالى فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2] ومنهم من أقر بالوحدانية في الظاهر إلا أنه يقول قولا يهدم ذلك التوحيد مثل أن يضيف السعادة والنحوسة إلى الكواكب أو يضيف الصحة والسقم إلى الدواء والغذاء أو يضيف الفعل إلى العبد على سبيل الاستقلال وكل ذلك يبطل الاستقامة في معرفة الحق سبحانه وتعالى ومنهم من ترك كل ذلك ولكن قد يطيع النفس والشهوة في بعض الأفعال وإليه الإشارة بقوله تعالى أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَاهُ [3] وهذا النوع من الشرك وهو المسمى بالشرك الخفي. والمراد من قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [4] وقول يوسف عليه السلام تَوَفَّنِي مُسْلِمًا [5] فإن الأنبياء عليهم السلام مبرأون عن الشرك الجلي أما الحالة المسماة بالشرك الخفي وهو الالتفات إلى غير اللَّه فالبشر لا ينفك عنه في جميع الأوقات. فلهذا السبب يضرع الأنبياء والرسل عليهم السلام إلى اللَّه في أن
(1) فصلت: (30) .
(2) البقرة: (22) .
(3) الفرقان: (43) .
(4) البقرة: (128) .
(5) يوسف: (101) .