فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 866

الاسم الحادي عشر: كلمة الله العليا:

قال اللَّه تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا. [1]

واعلم أن السبب في علو هذه الكلمة وجوه:

الأول: هو أن القلب إذا تجلى فيه نور هذه الكلمة كان ذلك التجلي نور الربوبية، ونور الربوبية إذا تجلى في القلب استعقب حصول قوة إلهية باللَّه ولهذا السبب فإن العارفين المستغرقين في أنوار جلال اللَّه يستحقرون الأحوال الدنيوية، فيستحقرون عظماء الملوك ولا يبالون بالقتل ولا يقيمون لشيء من طيبات الدنيا وزنا البتة؛ فكل ذلك يدل على استعلاء قوة هذه الكلمة على جميع الأشياء؛ فإن سلطان كل شيء يضمحل في سلطان جلال هذه الكلمة. انظر إلى استغراق سحرة فرعون لما تجلى لهم نور هذه الكلمة كيف لم يلتفتوا إلى قطع الأيدي والأرجل؟! وأن محمدا لما استغرق في هذا النور لم يلتفت إلى الملكوت كما قال تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [2] . روى أن إبراهيم الخواص كان في البادية فظهر عليه شيء من هذه الأحوال، فاضطجع وجاءته السباع وأحاطوا به وما كان يبالي بها فخاف صاحبه الذي كان معه وصعد بعض تلك الأشجار وبقي هناك جائعا، وفي الليلة الثانية زال ذلك الوجد فوقعت بعوضة على يده فتألم وأظهر الجزع فقال صاحبه: ما جزعت في البارحة من حضور السباع وأظهرت الجزع في هذه الليلة من البعوضة فقال إبراهيم:

كان في البارحة نزل في القلب سلطان فبقوة ذلك السلطان ما كنت أبالي بجميع الملكوت وأما الآن فقد غاب عني ذلك السلطان فظهر العجز كما ترى.

(1) التوبة: (40) .

(2) النجم: (17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت