فيها صور الوجود بتمامها ولا شك أشرف المعقولات وأعلاها معرفة جلال اللَّه وقدسيته وعظمته وعزته فكان غاية العدل والاعتدال للأرواح البشرية والقوى العقلية كونها مقبلة على هذه الحالة مستغرقة فيها فلهذا السبب سميت كلمة لا إله إلا اللَّه بكلمة العدل.
السبب الثاني: أن هذه الكلمة إنما سميت بكلمة العدل لأن معرفة اللَّه تعالى متوسطة بين الإفراط الذي هو التشبيه وبين التفريط الذي هو التعطيل فمن بالغ بالإثبات وقع في التشبيه ومن بالغ في التعطيل وقع في التعطيل والحق هو طريق الاعتدال بين هذين الطرفين المتباينين.
والسبب الثالث: من ترك النظر والاستدلال في معرفة اللَّه تعالى وعول على الطريقة التي ألفها بحسه وخياله وقع في الضلالات. وأما من توغل في البحث وأراد الوصول إلى كنه العظمة وهوية الجلالة تحير وتردد بل عمي فإن نور جلال الإلهية ما يعمي أحداق العقول البشرية فصار هذان الطرفان مذمومين والطريق المستقيم هو أن يخوض الإنسان البحث المعتدل ويترك العميق وإلى هذا الكلام الإشارة بقوله عليه السلام: تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق [1] فهذه هي الوجوه التي لأجلها سميت كلمة لا إله إلا اللَّه كلمة العدل.
فإن قيل كيف أمر اللَّه تعالى بالعدل في بحر التوحيد وقد قال وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [2] فمن عجز عن العدل في حق النساء كيف يقدر على العدل في معرفة الأحد الصمد. والجواب أظهر عجزك في الضعيف وأقدرك على الشريف لتعرف أن الكل منه.
(1) الحديث رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس، ورواه ابن أبي شيبة في كتاب العرس، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر مرفوعا.
(2) النساء: (129) .