الأولى: لما كان هذا الذكر أفضل الأذكار، فالعدو لما جاءته المحنة فزع إليه، والولي لما جاءته المحنة فزع إليه، أما العدو ففرعون لما قرب من الغرق «قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ» [1] وأما الولي فيونس عليه السلام، حيث قالها في الظلمات، قال تعالى: «فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلا أَنْتَ» [2] ثم إن هذه الكلمة قبلت من أحدهما، ولم تقبل من الآخر، والفرق من وجوه.
الأول: أن يونس كان قد سبقت له المعرفة مع هذه الكلمة فسبق المعرفة إعانة على قبولها منه، وأما فرعون فقد تقدم له سبق النكرة، وذلك لأنه كان ينادى بربوبية نفسه، قال تعالى: «فَحَشَرَ فَنادى. فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» [3] وأما يونس فإنه كان ينادى بربوبية اللَّه سبحانه. قال تعالى: «إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ» [4] وقال: «فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ» [5] وهذا ينبهك على أن من حفظ اللَّه في الخلوات فإن اللَّه يحفظه في الفلوات.
الثاني: أن يونس قال هذه الكلمة عن الحضور، فقال «لا إِلهَ إِلا أَنْتَ» وأما فرعون فإنه قالها عن الغيبة «لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ» فأحال العلم بحقيقة هذه الكلمة على بنى إسرائيل.
الثالث: أن فرعون إنما ذكر هذه الكلمة لا للعبودية، بل لخلاص نفسه عن الغرق،. وأما يونس فإنه إنما قالها بسبب ما كان عنده من الانكسار بسبب التقصير.
القائدة الثانية لهذه الكلمة: أنه تعالى أمرك بطاعات كثيرة من الصلاة، والصوم، والحج، ولكنه ما وافقك على شيء منها ثم أمرك بأن تقول: لا إله إلا اللَّه ووافقك عليها، قال «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ» [6] .
(1) جزء من الآية (90) من سورة يونس.
(2) جزء من الآية (87) من سورة الأنبياء.
(3) الآيتان (23) ، (24) من سورة النازعات.
(4) الآية (18) من سورة القلم.
(5) الآية (143) من سورة الصافات.
(6) جزء من الآية (18) من سورة آل عمران.