فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 372

الفصل التاسع في حقيقة الدعاء

قال أبو سليمان الخطابى: الدعاء مصدر من قولك دعوت الشيء أدعوه دعاه ثم أقاموا المصدر مقام الاسم تقول سمعت دعاء كما تقول سمعت صوتا، وقد يوضع المصدر موضع الاسم كقولهم رجل عدل، وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه العناية واستمداده إياه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إليه والاعتراف بالبراءة من الحول والقوة إلا له، وهو سمة العبودية وإظهار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على اللَّه تعالى وإضافة الجود والكرم إليه.

وأقول: من الجهال من قال الدعاء عديم الأثر لا فائدة فيه واحتج بوجوه.

الشبهة الأولى: إن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الدعاء وإن كان معلوم اللاوقوع فلا فائدة في الدعاء: الشبهة الثانية: إن كان الحق أراد إيقاع ذلك المطلوب وقع من غير الدعاء وإن كان لم يرد إيجاده في الأزل لم يكن في الدعاء فائدة. ليس لقائل أن يقول الدعاء يرد ذلك الحكم، لأن فعل الخلق لا يمكن أن يغير صفة الحق، وربما عبر بعضهم عن ذلك بأن الأقدار سابقة والأقضية أزلية والدعاء لا يغير الأحكام الأزلية فلا فائدة في الدعاء الشبهة الثالثة: أنه سبحانه وتعالى علام الغيوب يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، فأى حاجة بالداعي إلى هذا الدعاء، ولهذا السبب فإن جبريل عليه السلام لما أمر الخليل عليه الصلاة والسلام بالدعاء قال «حسبى من سؤالى علمه بحالى» ثم إن الخليل عليه الصلاة والسلام استوجب بترك الدعاء في ذلك المقام الدرجة عند اللَّه تعالى، فثبت أن ترك الدعاء أولى. الشبهة الرابعة: المطلوب بالدعاء إن كان من مصالح الداعي فالجواد الحق لا يتركه والحكيم الحق لا يهمله، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز له بالاتفاق. الشبهة الخامسة: روى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال «قدر اللَّه المقادير قبل أن يخلق الخلق بكذا وكذا عاما» ، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال «جرى القلم بما هو كائن» وقال عليه الصلاة والسلام «أربع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت