فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 372

فرغ منهن؛ العمر والرزق والخلق والخلق» فإذا ثبت أن هذه الأحوال مقدرة في الأزل فأى فائدة في الدعاء. الشبهة السادسة: قد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن أجلّ مقامات الصديقين وأعلاها الرضى بقضاء اللَّه تعالى، والدعاء ينافى ذلك لأنه اشتغال بالالتماس والطلب وترجيح مراد النفس على مراد اللَّه تعالى. الشبهة السابعة: الدعاء يشبه الأمر والنهى ويشبه تذكير الساهى والغافل ويشبه حمل البخيل على الجود والكرم وكل ذلك من العبد اللئيم في حضرة الرب الكريم سوء أدب. الشبهة الثامنة: قال صلى اللَّه عليه وسلم رواية عن اللَّه سبحانه وتعالى «من شغله ذكرى عن مسئلتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» فثبت بهذه الوجوه أن الدعاء لا فائدة فيه.

وقال الجمهور الأعظم من العقلاء: الدعاء أعظم مقامات العبادة، ويدل عليه وجوه. الأول قوله تعالى «وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ» [1] وفيه لطائف أحدها: أنه أينما ورد لفظ السؤال في القرآن جاء عقيبه لفظة (قل) قال تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ» [2] «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً» [3] وفي هذا الموضع ترك لفظة قل كأنه سبحانه وتعالى يقول عبدى أنت إنما تحتاج إلى الوساطة في غير وقت الدعاء أما في مقام الدعاء فلا وساطة بينى وبينك فأنت العبد المحتاج وأنا الإله الغني، فإذا سألت أعطيتك وإذا دعوت أجبتك. الثانية: أن قوله «وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي» [4] فهذا يدل على أن العبد له، وقوله: فإنى قريب يدل على أن الرب للعبد. وثالثها:

لم يقل والعبد قريب منى بل قال أنا منه قريب وهذا فيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو لا بد وأن يكون في مركز العدم وحضيض الفناء، فكيف يكون قريبا؟! بل القريب هو الحق سبحانه وتعالى، والعبد لا يمكنه أن

(1) جزء من الآية (186) من سورة البقرة.

(2) الآية (1) من سورة الأنفال.

(3) جزء من الآية (222) من سورة البقرة.

(4) جزء من الآية (186) من سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت