والثاني: ما ذكره الشيخ عبد الملك الطبرى، وهو: أن الخبير بمعنى المخبر، فهو فعيل بمعنى مفعل، وهو كثير في كلام العرب، كالسميع بمعنى المسمع والبديع بمعنى المبدع، فيكون الخبير هو المخبر، وهو عبارة عن كلامه.
أما حظ العبد منه فهو: أن يكون شديد البحث والفحص عن محاسن الأخلاق ومقابحها، وعن أن ما معه من الصفات والأخلاق من أي القسمين، وأن لا يغتر في هذا الباب بأنواع تلبيس إبليس.
قول المشايخ في هذا الاسم: وأما المشايخ فقالوا: من عرف أنه خبير كان بزمام التقوى مشدودا، وعن طريق المنى مصدودا، قال على بن الحسين من أراد عزا بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، وغنى بال فقر؛ فليخرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة، قال تعالى: «وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ» [1] .
حاصل كلامهم أن الحليم هو الّذي لا يعجل بالانتقام، وأنا أقول: من لا يعجل الانتقام إن كان على عزم أن ينتقم بعد ذلك فهذا يسمى حقودا، وإن كان على عزم أن لا ينتقم البتة فهذا هو العفو والغفران، فأين الحلم؟ وما معناه؟ ويمكن أن يقال إنه إنما يكون حليما إذا كان على عزم أن لا ينتقم البتة، ولكن بشرط أن لا يظهر ذلك، فإن أظهره كان ذلك عفوا، وبهذا الوجه ظهر الفرق بين العفو وبين الحلم.
واعلم أن حلم اللَّه عن المذنبين عظيم، قال تعالى: «وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ» .
وروى أن إبراهيم عليه السلام رأى رجلا مشتغلا بمعصية؛ فقال: اللهم أهلكه؛ فهلك، ثم رأى ثانيا، وثالثا، فدعا فهلكوا، فرأى رابعا فهم بالدعاء
(1) جزء من الآية (61) من سورة النحل.