أما المشايخ فقال بعضهم: العزة حقر الأقدار سوى قدره، ومحو الأذكار سوى ذكره، وذلك لأنه إذا عظم الرب في القلب صغر الخلق في العين، وقال عليه الصلاة والسلام: «من تواضع لغنى لغناه ذهب ثلثا دينه» وإنما كان كذلك؛ لأن الإيمان متعلق بثلاثة أشياء. معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وإذا تواضع له بلسانه وأعضائه، فقد ذهب الثلثان، فلو انضم إليه القلب ذهب الكل، وقال بعضهم: العزيز الّذي لا يدركه طالبوه، ولا يعجزه هاربوه.
وحكى أن رجلا أمر بالمعروف على هارون الرشيد، فغضب عليه هارون، وكان له بغلة سيئة الخلق، فقال: اربطوه معها حتى تقتله، ففعلوا ذلك، فلم تضره، فقال: اطرحوه في بيت وطينوا عليه الباب، ففعلوا فرأوه في البستان مع أن باب البيت كان مسدودا كما كان: فقال: من الّذي أدخلك هذا البستان؟ قال: الّذي أخرجنى من البيت: فقال هارون: أركبوه دابة وطوفوا به في البلد، وقولوا: إن هارون أراد أن يذل عبدا أعزه اللَّه، فعجز عنه.
قال تعالى: «الْعَزِيزُ الْجَبّارُ» [1] وفيه وجوه. الأول: الجبار العالى الّذي لا ينال، ومنه يقال نخلة جبارة إذا طالت وعلت، وقصرت الأيدى عن أن تنال أعلاها. ويقال: ناقة جبارة إذا عظمت وسمنت. وفرس جبار إذا كان هيكلا مشرفا ومنه قوله تعالى. «إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ» [2] أي عظماء. قال أهل التفسير: هم بقية قوم عاد. ويقال رجل جبار إذا كان متعظما متكبرا
(1) جزء من الآية (23) من سورة الحشر.
(2) جزء من الآية (22) من سورة المائدة.