فأما إذا اجتمعت المعانى الثلاثة في شيء فهو العزيز، ثم في كل واحد من هذه المعانى الثلاثة كمال ونقصان، فالكمال في قلة الوجود أنه يرجع إلى واحد، إذ لا أقل من الواحد، ويكون بحيث يستحيل وجود مثله، وليس هذا إلا للَّه؛ فإن الشمس وإن كانت واحدة في الوجود، ولكنها ليست واحدة في الإمكان لأنه يمكن وجود مثلها.
وأما كونه منتفعا به فالكمال فيه أن يكون جميع المنافع حاصلة منه، ولا يحصل من غيره، وما ذاك إلا للَّه سبحانه وتعالى، فإنه هو المبدئ لوجود جميع الممكنات، فانه سبحانه هو الّذي يحتاج إليه كل شيء في ذاته وصفاته وبقائه، أما صعوبة الوصول إليه فالكمال فيه هو أن لا يكون لأجد قدرة عليه، وتكون قدرته على الكل حاصلة، والحق كذلك لأنه لا سبيل للعقول إلى الإحاطة بكنه صمديته، ولا سبيل للإبصار إلى الإحاطة بعظيم جلاله، ولا سبيل لأحد من الخلق إلى القيام بشكر آلائه ونعمائه، فثبت أن كمال هذه الصفات حاصلة للَّه سبحانه وتعالى لا لغيره، فوجب القطع بأنه سبحانه وتعالى هو العزيز المطلق».
هذا كله كلام ذلك الإمام، ولقد وفق في تقريره، جعله اللَّه هاديا له إلى منازل الرضوان، ومدارج الغفران.
وأما حفظ العبد من هذا الاسم، فقال: العزيز من العباد من يحتاج إليه خلق اللَّه في أهم أمورهم، وهى الحياة الأخروية، والسعادة الأبدية، ومثل هذا الشخص مما يقل وجوده، ويصعب إدراكه، وهى مرتبة الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، ويليهم الخلفاء الراشدون، ثم العلماء، ثم الملوك الذين يحكمون على وفق الدين والشرع، وعزة كل أحد بقدر علو رتبته في الدين، فإنه كلما كانت هذه الصفة فيه أكمل كان وجدان مثله أقل. وكان أشد عزة وأكمل رفعة، ولهذا قال تعالى: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» [1] .
(1) جزء من الآية (8) من سورة (المنافقون) .