الفصل السابع في كمال بيان أن الفكر أفضل أم الذكر
اعلم أن الفكر أصل والذكر ثمرته، وكل واحد منهما أفضل من الآخر من وجه دون وجه، وقد اختلفوا فيه؛ فمن العلماء من قال الفكر أفضل واحتج عليه بوجوه.
الحجة الأولى: الفكر عمل القلب والروح، والذكر عمل اللسان، والجسم والروح أفضل من الجسم، فالفكر أفضل من الذكر.
الحجة الثانية: ضد الفكر هو الجهل، والجاهل باللَّه كافر، وقد يحصل الفوز برحمة اللَّه بدون الذكر، فإن من عرف اللَّه بالدليل ولم يجد مهلة للذكر كان من أهل الجنة، بل الإنسان قد يبلغ في آخر الأمر إلى حيث يكون ترك الذكر له أفضل، قال عليه الصلاة والسلام: «من عرف اللَّه كل لسانه» .
الحجة الثالثة: من كان ناطق العقل أبكم اللسان كان من الفائزين، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إن سين بلال عند اللَّه شين» أما من كان ناطق اللسان أبكم العقل كان من المنافقين، فالفكر أفضل من من الذكر.
الحجة الرابعة: ترك الفكر كفر وترك الذكر معصية والكفر أقبح من المعصية، فكان الفكر أفضل.
الحجة الخامسة: قوله تعالى «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماتِ وَالْأَرْضِ» [1] فجعل الذكر فاتحة درجات الصديقين
(1) جزء من الآية (191) من سورة آل عمران.