الفصل الرابع في أن أسماء اللَّه تعالى توقيفية أو قياسية
مذهب أصحابنا أنها توقيفية، وقالت المعتزلة والكرامية: إن اللفظ إذا دل العقل على أن المعنى ثابت في حق اللَّه سبحانه جاز إطلاق ذلك اللفظ على اللَّه تعالى سواء ورد التوقيف به أو لم يرد، وهو قول القاضى أبى بكر الباقلانى [1] من أصحابنا، واختيار الشيخ الغزالي أن الأسماء موقوفة على الإذن، أما الصفات فغير موقوفة على الإذن، وهذا هو المختار.
حجة الأصحاب: لو لم يقف ذلك على الإذن لجاز تسميته عارفا وفقيها وداريا وفهما وموقنا وعاقلا وفطنا وطبيبا ولبيبا، كما جاز وصفه بكونه عالما، لأن هذه الأسماء التى ذكرناها مرادفة للعالم في اللغة، ولما لم يجز ذلك علمنا أن الاستعمال موقوف على السمع والإذن. أجاب القاضى رحمه اللَّه بأن كل واحد من هذه الألفاظ يدل على ما لا يجوز ثبوته للَّه تعالى. أما المعرفة: ففيها وجوه.
الأول أن من أدرك شيئا من الحاضر ثم غاب عنه ونسيه ثم أدركه ثانيا او علم أن هذا الّذي أدركه ثانيا هو عين الّذي أدركه أولا فهذا هو العلم المسمى بالمعرفة، ولذلك فإنه إذا رآه ثانيا وتذكر أنه هو الّذي رآه أولا قبل ذلك فإنه يقول الآن عرفتك، وعلى هذا التقدير فالمعرفة اسم لعلم تقدمته غفلة، فلهذا لا يصح إطلاقه في حق اللَّه تعالى. والثاني: ما ذكره أبو القاسم الراغب في كتاب الذريعة [2] وهو أن لفظ المعرفة إنما يستعمل فيما تدرك آثاره ولا تدرك ذاته،
(1) محمد بن الطيب متكلم فقيه ولد بالبصرة ومات ببغداد سنة (1013) من أكبر دعاة المذهب الأشعرى جادل المعتزلة وتغلب عليهم، ذهب إلى القسطنطينية لمجادلة علماء المسيحيين وتغلب عليهم أيضا - رضي اللَّه عنه.
(2) كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة. كتاب نافع إن شاء اللَّه، انظره بعنايتنا ط مكتبة الكليات الأزهرية.