فدعاه ثانيا فلم يجبه، وهكذا ثالثا، فقام إليه فرآه مضطجعا، فقال: يا غلام أما سمعت الصوت؟ فقال: بلى سمعت قال: فما منعك من الإجابة؟ فقال: ثقتى بحلمك واتكالى على عفوك. فقال على: أنت حر لوجه اللَّه تعالى بهذا الاعتقاد.
أما المشايخ فقالوا: العفوّ الّذي أزال عن النفوس ظلمة الزلات برحمته وعن القلوب وحشة الغفلات بكرامته.
وقيل: العفو الّذي أزال الذنوب من الصحائف، وأبدل الوحشة بفنون اللطائف.
ورئى بعض المشايخ في المنام فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: (حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا) .
قال اللَّه تعالى: «إِنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» [1] «وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً» [2] وقال «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» [3] واشتقاقه من الرأفة والرحمة، والرءوف على وزن فعول كالشكور، والصبور.
واعلم أنه تعالى قدم الرءوف على الرحيم، والرأفة على الرحمة في الآيات التى تلوناها، وهذا يقتضي وقوع الفرق بينهما، وأيضا أينما ذكر اللَّه تعالى هذين الوصفين قدم الرءوف على الرحيم في الذكر، فلا بد من بيان الفرق بين الوصفين ثم بيان سبب التقديم.
أما الفرق: فهو أن الرحيم في الشاهد إنما يحصل لمعنى في المرحوم من فاقة
(1) جزء من الآية (143) من سورة البقرة.
(2) جزء من الآية (27) من سورة الحديد.
(3) جزء من الآية (128) من سورة التوبة.