الثاني: أن بقاء اللَّه تعالى يجب أن يكون باقيا، فإن كان باقيا بالبقاء لزم إما الدور، وإما التسلسل وهما محالان، فوجب أن يكون البقاء باقيا لنفسه، فلو كانت الذات باقية بالبقاء لزم كون الصفة أقوى من الذات، وذلك قلب المعقول.
قال تعالى: «وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ» [1] وقال تعالى: «إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها» [2] وقال «وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ» [3] .
واعلم أن مالك جميع الممكنات هو اللَّه سبحانه وتعالى، ولكنه بفضله جعل بعض الأشياء ملكا لبعض عباده، فالعباد إنما ماتوا وبقى الحق سبحانه وتعالى؛ فالمراد بكونه وارثا هو هذا، وإليه الإشارة بقوله «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهّارِ» [4] .
قال الغزالي: وهذا الجواب والسؤال، إنما اختصا بذلك اليوم بحسب ظن الأكثرين، لأنهم يظنون لأنفسهم ملكا وملكا فيكشف لهم في ذلك اليوم حقيقة الحال، فأما أرباب البصائر فإنهم مشاهدون لمعنى هذا النداء في الحال، سامعون له من غير حرف ولا صوت، وذلك لأن المنفرد بالتدبير والتقدير من الأزل إلى الأمد، هو الحق سبحانه، والملك والملك له أبدا وأزلا، وكما امتنع انقلابه من الوجوب والاستغناء إلى الإمكان والافتقار، امتنع انقلاب شيء مما سواه من الإمكان إلى الوجوب، فكذلك الملك والملك له لا لغيره أزلا وأبدا
(1) جزء من الآية (23) من سورة الحجر.
(2) جزء من الآية (40) من سورة مريم.
(3) جزء من الآية (5) من سورة القصص.
(4) جزء من الآية (16) من سورة غافر.