الأوساط كان مجموعها هو العدالة؛ وهو المراد بقوله «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ» [1] وذلك لأن الحاكم على الطرفين لا بد وأن يكون معتدلا وسطا، فلما جعل هذه الأمة حاكمة على سائر الأمم، لا جرم جعلهم في الوسط موصوفين بالاعتدال مبرءين عن طرفى الإفراط والتفريط في الغلظة والرخاوة.
قال تعالى: «اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ» [2] وقال: «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» [3] ، واعلم أن اللطيف له تفاسير أربعة.
أحدها: أن الشيء الصغير الّذي لا يحس به لغاية صغره يسمى لطيفا، واللَّه سبحانه وتعالى لما كان منزها عن الجسمية والجهة لم يحس به، فأطلقوا اسم الملزوم على اللازم، فوصفوا اللَّه تعالى بأنه لطيف، بمعنى أنه غير محسوس، وكونه لطيفا بهذا الاعتبار يكون من صفات التنزيه.
ثانيها: اللطيف هو العالم بدقائق الأمور وغوامضها، يقال. فلان لطيف اليد إذا كان حاذقا في صنعته، مهتديا إلى ما يشكل على غيره، وعلى هذا التفسير كونه لطيفا عبارة عن علمه، فيكون اللطف من الصفات الذاتية.
وثالثها: اللطيف هو البر بعباده، الّذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون،
(1) جزء من الآية (143) من سورة البقرة.
(2) جزء من الآية (19) من سورة الشورى.
(3) الآية (14) من سورة الملك.