والعلم يقال فيما تدرك ذاته، ولهذا يقال فلان يعرف اللَّه، ولا يقال فلان يعلم اللَّه؛ لأن معرفة اللَّه تعالى ليست بمعرفة ذاته بل بمعرفة آثاره؛ ولذلك تسمى رائحة العود بعرف العود لأن تلك الرائحة أثر من آثاره.
وأما الفقه فهو عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه وذلك يشعر بسابقة الجهل، وأما الدراية فهى عبارة عن الشعور الّذي يحصل بضرب من الحيلة وهو تقديم الفكر والروية، وأصله من ادّريت الصيد، والدرية يقال لما يتعلم عليه الطعن، والمدرى تقال لما يصلح به الشعر، ولهذا لا يصح وصف اللَّه تعالى به لأن معنى الحيلة محال عليه. وأما الفهم فهو صريح في سابقة الجهل. وأما اليقين فهو مأخوذ من يقن الماء في الحوض إذا اجتمع فيه، فاليقين اسم لعلم كان في أول الأمر اعتقادا ضعفا ثم اجتمعت الدلائل فتأكد الاعتقاد وصار علما، وأما العقل فهو مأخوذ من عقال الناقة وهو العلم المانع عن فعل ما لا ينبغي، وهذا إنما يتحقق في حق من تدعوه الدواعى إلى فعل ما لا ينبغي. وأما الفطنة فهى عبارة عن سرعة إدراك ما يراد تفويضه على السامع وسرعة الإدراك مسبوقة بالجهل. وأما الطب فهو علم مأخوذ من التجارب ولهذا لا يقال فلان طبيب بالهندسة والحساب، كما يقال عالم بالهندسة والحساب، فثبت أن المنع من إطلاق هذه الألفاظ إنما كان لأنها توهم أمورا يمتنع ثبوتها في حق اللَّه تعالى.
فإن قال قائل: فلفظ الكبير والخداع والكيد والاستهزاء [1] يوهم أمورا يمتنع ثبوتها في حق اللَّه تعالى، فكيف ورد الإذن بإطلاقها في حقه سبحانه.
فالجواب: أن الألفاظ الدالة على الصفات على ثلاثة أقسام: منها ما يدل على صفات ثابتة في حق اللَّه تعالى قطعا، ومنها ما يدل قطعا على أمور يمتنع ثبوتها في حق اللَّه تعالى ولا يجوز إطلاقها عليه، ومنها أمور ثابتة في حق اللَّه تعالى ولكنها مقرونة بكيفيات يمتنع ثبوتها في حق اللَّه تعالى كالمكر والخداع. والقسم
(1) مثل قوله تعالى في الكيد «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا» .