لا يتواضع، ولا ينقاد لأحد، وهذا الاسم في حق اللَّه سبحانه وتعالى يفيد أنه سبحانه وتعالى بحيث لا تناله الأفكار، ولا تحيط به الأبصار، ولا يصل إلى كنه عزه عقول العقلاء، ولا ترتقى إلى مبادى إشراق جلاله علوم العلماء، وهو بهذا المعنى من صفات التنزيه.
الثاني: الجبار بمعنى المصلح للأمور، ويقال: جبرت الكسر إذا أصلحته، وجبرت الفقير إذا أنعشته، وكفيته أمره، والجبار يفيد الكثرة والمبالغة في هذا المعنى، ويقال: جبر اللَّه مصيبته، ومن الدعاء: يا جابر كل كسير، ولا يقال هذا الاسم في حق اللَّه تعالى إلا مع هذه الإضافة.
قال الفراء: والفعل منه جبر يجبر جبرا وجبرانا، قال: العجاج قد جبر الدين الإله فجبر أي أصلحه فصلح، وهو فعل لازم ومتعد [1] ونظيره عمرت الدار فعمرت، فعلى هذا الجبار في الحقيقة هو اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأنه هو المصلح لأمور الخلق، والمظهر للدين الحق، والميسر لكل عسير، والجابر لكل كسير، وهذا المعنى يرجع إلى صفات الفعل.
الثالث: أن يكون الجبار من جبره على كذا أي أكرهه على ما أراد، ويقال جبر السلطان فلانا على الأمر وأجبره بالألف، إذا أكرهه عليه.
واعلم أن أجبره بمعنى الإكراه أكثر من جبره، وجبره من جبر الكسر، والفقير أكثر من أجبره، فعلى هذا الجبار في وصف اللَّه تعالى هو الّذي أجبر الخلق على ما أراد، وحملهم عليه، أرادوا أم كرهوا، لا يجرى في سلطانه إلا ما يريد، ولا يحصل في ملكه إلا ما يشاء.
وسمعت أن الأستاذ أبا إسحاق الأسفرائيني كان حاضرا في دار الصاحب ابن عباد فدخل القاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى، وكان رئيس المعتزلة، فلما رأى الأستاذ قال: سبحان الّذي تنزه عن الفحشاء؛ فقال الأستاذ أبو إسحاق في
(1) أي يكتفى بالفاعل: أو ينصب مفعولا.