الحال: سبحان من لا يجرى في ملكه إلا ما يشاء. وأقول: تأملوا في هاتين الكلمتين؛ فإن كل واحد منهما جمع جميع دلائل مذهبه في هذه الكلمة [1] واعلم أن الجبار بهذا المعنى، وبالمعنى الثاني أيضا من صفات الأفعال.
فإن قيل: الجبروت والتكبر في حق الخلق مذموم، فلم يمدح اللَّه به؟
قلنا: الفرق أنه سبحانه قهر الجبابرة بجبروته، وعلاهم بعظمته، لا يجرى عليه حكم حاكم، فيجب عليه انقياده، ولا يتوجه عليه أمر آمر، فيلزمه امتثاله، آمر غير مأمور، قاهر غير مقهور: «لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ» [2] .
وأما الخلق فهم موصوفون بصفات النقص، مقهورون محجومون، تؤذيهم البقة، وتأكلهم الدودة، وتشوشهم الذبابة، أسير جوعة، وصريع شبعة، ومن تكون هذه صفته كيف يليق به التكبر والتجبر؟!
وأما المشايخ فقال بعضهم: الجبار الّذي لا يرتقى إليه وهم، ولا يشرف عليه فهم، وقيل: الجبار من لا فهم يلحقه، ولا دهر يخلقه، وقيل: الجبار من أصلح الأشياء بلا علاج، وأمر بالطاعة بلا احتياج، وكان بعضهم يقول:
يا جبار عجبت لمن يعرفك كيف يستعين على أمر بأحد غيرك، وعجبت لمن يعرفك كيف يرجو أحدا غيرك، وعجبت لمن يعرفك كيف يلتفت إلى أحد غيرك.
أما حظ العبد من هذا الاسم، فقال الغزالي: الجبار من العباد من ارتفع عن درجة الارتفاع، ووصل إلى مقام الاستتباع، ومن علامته: أنه لا يصير أسيرا بحب المال والجاه، لأن كل من كان كذلك كان منقادا بحب المال والجاه،
(1) انظر ذلك مفصلا في الكتب التى بحثت في الفرق الإسلامية ومنها كتاب الإمام الرازي «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» أعاننا اللَّه على إتمامه.
(2) الآية (23) من سورة الأنبياء.