فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 372

هذه الأعضاء والآلات هو الّذي أزال الخوف عن الإنسان بواسطة إعطاء هذه الأعضاء، ثم قال ولو قدرنا إنسانا وحده مطلوبا من جهة أعدائه، وهو ملقى في مضيعة، ولا يمكنه أن يتحرك لغاية ضعفه، فإن تحرك فلا سلاح معه، ولئن كان معه سلاح لم يقدر على مقاومة الأعداء وحده، وإن كانت له جنود فلم يأمن أن تنكسر جنوده، ولا يجد حصنا يأوى إليه، فجاء من عالج ضعفه فقواه، وأمده بجنود وأسلحة، وبنى حوله حصنا، فقد أفاده أمنا عظيما؛ فبالحرى أن يسمى مؤمنا في حقه، والعبد ضعيف في أصل فطرته، وهو عرضة للآفات، ومنزل المخافات، تارة من الآفات المتولدة في باطنه كالجوع والعطش، وتارة من خارجه كالحريق والغرق والأسر، فالذى خلق له الأغذية اللذيذة، والأدوية النافعة، والآلات الجالبة للمنافع والأعضاء الدافعة للمتاعب، لا شك أنه هو الّذي آمنه من هذه الآفات.

وأما أحوال الآخرة فهو الّذي نصب الدلائل، وقوى العقل، وهدى الخاطر إلى معرفة توحيده، وجعل هذه المعرفة حصنا حصينا، وجنة واقية عن أصناف العذاب، كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن رب العزة أنه قال:

«لا إله إلا اللَّه حصنى، من دخل حصنى أمن من عذابى» فقد ثبت بهذا التقدير أنه لا أمن في العالم إلا من اللَّه، ولا راحة إلا من اللَّه، فهذا المؤمن المطلق حقا».

هذا كله كلام الغزالي، وهو حسن جدا.

فإن قيل: لا خوف إلا من اللَّه، فكيف يقال لا أمن إلا من اللَّه؟.

قلنا: لا منافاة بينهما، كما أنه معز مذل، محيى مميت، وقد تقدم تقرير هذا في تفسير الرحمن الرحيم.

وما حظ العبد من هذا الاسم، فهو أن يأمن الخلق كلهم جانبه، بل يرجو كل خائف الاعتضاد به في دفع الهلاك عن نفسه في دنياه ودينه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليأمن جاره بوائقه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت