إليك ولا إلى غيرك. ثم قالت أما سمعت قول الخليل عليه السلام: «الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» [1] .
أما البارئ فقالوا: من عرف أنه البارئ لم يكن للحوادث في قلبه أثر، ولا للشواهد على سره خطر، وقيل: من عرف أنه البارئ تبرأ عن حول نفسه وسطوته، ولا يمن على الحضرة بعبوديته وطاعته، وقيل من عرف أنه البارئ في عن مساكنة الأغيار، وسقط عن سره ملاحظة الآثار، وقيل: من عرف أنه البارئ تبرأ عن المحظور، والتجأ إلى الملك الغفور.
أما المصور فقالوا: إنه الّذي سوى قامتك، وعدل خلقتك، قال تعالى:
«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» [2] ، وقيل: المصور من زين الظواهر عموما، ونور السرائر خصوصا، وقيل: المصور الّذي ميز العوام من البهائم بتسوية الخلق، وميز الخواص من العوام بتصفية الخلق.
واعلم أنه تعالى كما زين الظواهر بالصورة الحسنة، زين البواطن أيضا بالسيرة الحسنة، وبهذا المعنى قال تعالى في تعظيم العلم: «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا» [3] ، وقال في تعظيم الخلق: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» [4] فالمرء مشهور بخلقه، مستور بخلقه.
قال يحيى بن معاذ: إذا سكتّ فأنا من الناس واحد، وإذا نطقت فأنا في الناس واحد، ولهذا قيل: المرء مخبوء تحت لسانه.
وقال عليه الصلاة والسلام «ما واحد خير من ألف مثله إلا الإنسان» .
(1) الآيات (78) ، (79) ، (80) من سورة الشعراء.
(2) الآية (4) من سورة التين.
(3) جزء من الآية (113) من سورة النساء.
(4) الآية (4) من سورة القلم.