أو بعضها ممكن، وبعضها واجب، أما ضد القسم الأول، وهى أن تكون كلها ممكنة فهذا محال، لأنه إذا كان الكل ممكنا فقد وجد ذلك الكل الممكن لا بسبب؛ هذا خلف.
والثاني أيضا محال، لأنه إذا وجد موجودان واجبان بالذات فقد اشتركا في الوجوب، وتباينا بالتعين، فيقع التركيب في ذات كل واحد منهما، وكل مركب ممكن؛ فكل واحد منهما ممكن، هذا خلف.
فلم يبق إلا القسم الثالث، وهو أن يكون الواحد واجبا، والباقي ممكنا، فذلك الواحد لكونه واجبا بذاته يكون قائما بذاته، غنيا عن غيره.
ولما كان كل ما سواه ممكنا، وكل ممكن فهو مستند إلى الواجب، كان كل ما سواه مستندا إليه، وكان هو سببا لوجود كل ما سواه، فكان هو سببا لتقويم كل ما سواه، فثبت أن ذلك الواحد قائم بذاته على الإطلاق، وسبب لقوام كل ما سواه على الإطلاق، فوجب أن يكون قيوما، لأنها مبالغة من القيام، وكمال المبالغة إنما يحصل عند الاستغناء به عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه، فثبت بهذا البرهان النير أنه سبحانه هو القيوم الحق بالنسبة إلى كل الموجودات.
إذا عرفت هذا فنقول: تأثيره في غيره إما أن يكون بالإيجاب أو بالإيجاد فإن كان الأول لزم من قدمه قدم كل ما سواه وهو محال، فثبت أن تأثيره في غيره هو بالإيجاد، والموجد بالقصد والاختيار لا بدّ وأن يكون متصورا ماهية ذلك الشيء الّذي يقصد إلى إيجاده، فثبت أن المؤثر في العالم فعّال درّاك، ولا معنى للحى إلا ذاك؛ فثبت أنه سبحانه حي، فلهذا قال: «الْحَيُّ الْقَيُّومُ» دل بقوله (الحى) على كونه عالما، قادرا، وبقوله (القيوم) على كونه قائما بذاته، مقوّما لغيره، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد.
واعلم أنه لما ثبت كونه سبحانه قيوما فهذه القيومية لها لوازم.
(م(20) - لوامع البينات)