كما شاء، فلا نافع ولا ضار غيره، لأنا قد دللنا في هذا الكتاب على أن كل ما سوى اللَّه تعالى ممكن، وكل ممكن فهو مفتقر إلى ترجيح مرجح، والخيرات والشرور كلها داخلة في هذه القضية. وهذا يوجب القطع بأنه تعالى هو النافع، وهو الضار وهذان الوصفان إما أن يعتبرا في أحوال الدنيا، أو في أحوال الدين.
أما الأول: فهو أنه تعالى مغنى هذا، ومفقر ذاك، ومعطى الصحة لهذا، والمرض لذاك.
وأما في أحوال الدين: فهو أنه يهدي هذا، ويضل ذاك، ويقرب هذا، ويبعد ذاك.
أما حظ العبد من هذين الوصفين: فهو أن يكون ضارا بأعداء اللَّه، نافعا لأولياء اللَّه، قال تعالى: «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ» [1] ولا يكون ضرره بأعداء اللَّه مطلوبا له إلا بالغرض، والنفع مطلوبا بالذات.
وأيضا حظ العبد من هذين الاسمين أن لا يرجو أحدا، ولا يخشى أحدا، وأن يكون اعتماده بالكلية على اللَّه.
قيل: إن أول ما كتب اللَّه تعالى في اللوح المحفوظ «أنا اللَّه الّذي لا إله إلا أنا، من لم يستسلم لقضائى، ولم يصبر على بلائى، ولم يشكر لنعمائى، فليطلب ربا سواى» وقيل: «من لم يرض بالقضاء فليس لجهله دواء» .
وحكى أن موسى عليه السلام شكا ألم سنه إلى اللَّه، فقال: خذ الحشيشة الفلانية وضعها على سنك، ففعل، فسكن الوجع في الحال، ثم بعد مدة عاوده ذلك الوجع، فأخذ تلك الحشيشة مرة أخرى، ووضعها على السن، فازداد الوجع أضعاف ما كان، فاستغاث إلى اللَّه تعالى: إلهى ألست أمرتنى بهذا، ودللتني عليه؟ فأوحى اللَّه تعالى إليه: يا موسى أنا الشافى، وأنا المعافى، وأنا الضار
(1) جزء من الآية (54) من سورة المائدة.