قال تعالى «قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ» [1] وقال «بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» [2]
الحجة السادسة عشرة: قال اللَّه سبحانه «الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ.
عَلَّمَهُ الْبَيانَ» [3] ابتدأ في ذكر فضائل الإنسان بالعلم وهو قوله: علم القرآن، وختم فضائله بالبيان والذكر وهو قوله علمه البيان، فكانت الفكرة والعلم كآدم عليه الصلاة والسلام، وكان البيان كمحمد صلى اللَّه عليه وسلم.
الحجة السابعة عشرة: قال بعض الحكماء مراتب الإدراك ثلاث. إما أن يدرك ولا يدرك أنه يدرك وهو حال النبات، وإما أن يدرك ويدرك أنه يدرك ولكنه لا يمكنه أن يفهم غيره شيئا وهو الحيوان، وإما أن يدرك ويدرك أنه يدرك ويمكنه أن يفهم غيره ما أدركه وعلمه وذلك هو الإنسان، ولا شك أن كونه يفهم غيره ما علمه هو النطق والبيان فإذا النطق هو الأمر الّذي به تميز الإنسانية وهو فصله المقوم وصورته الذاتية، وأما أصل الفهم فهو قدر مشترك بينه وبين غيره فثبت أن الذكر أفضل من الفكر.
الحجة الثامنة عشرة: من تفكر في صفات المدح لملك فإنه لا يستحق بذلك صلة ولا إكراما أما من ذكرها باللسان فإنه هو يستوجب الصلة والكرامة، والإنسان إذا كان عالما بصفات اللَّه وأسمائه ثم لم يذكرها كان حاله قريبا من الكفر، أما إذا ذكرها وواظب على ذكرها كان مستوجبا للثواب والثناء والفوز بالدرجات العالية عند اللَّه، فثبت أن الذكر أفضل من الفكر.
الحجة التاسعة عشرة: الذكر ظاهر والفكر خفى والعبادة الظاهرة أشرف من العبادة الخفية لأن العبادة الظاهرة قد تصير مرغبة في أن يقتدى بها ويأتى بها أو
(1) الآيتان (3) ، (4) من سورة المدثر.
(2) جزء من الآية (67) من سورة المائدة.
(3) الآيات (1) ، (2) ، (3) ، (4) من سورة الرحمن.