وفي الولايات المتحدة أيضا، وفي ذات السياق من التواصل مع المعارضة أو صناعتها، نقلت وسائل إعلام في 12/ 8/2012 عن هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية، بعد لقائها نظيرها التركي، القول: «أنها التقت مجموعة من الناشطين السوريين والخبراء والقانونيين والصحفيين والقيادات الطلابية في محاولة لمعرفة ما يمكن للولايات المتحدة فعله لمساعدتهم» . وفي تصريح إذاعي (19/ 9/2012) أعلن السفير الفرنسي في سوريا إريك شوفالييه، المكلف بالملف السوري عن موقف بلاده بالقول: «نعمل مع المعارضة لمساعدتها على تنظيم نفسها، ولدي تعليمات من رئيس الجمهورية للاتصال بمجمل مكونات المعارضة ومن ضمنها المجموعات المسلحة، ونحن أول دولة تقوم بذلك بهذا الشكل المنظم» .
أما المستهدف هذه المرة بصورة خطيرة، كما أشرنا، فهم المقاتلون بدايةً وهوية الثورة نهايةً. وقد سبق وأشرنا إلى أن «الجيش الحر» هو راية شعبية بنسبة تزيد عن 85% من القوى المسلحة في سوريا، فيما تتوزع النسبة الباقية على المنشقين من الضباط والجنود. أما الشق الآخر من الثورة فهو ذلك الشق الإسلامي المكون من قوى محلية وأخرى متطوعة من الخارج. ويبقى شق ثالث خفي، لكن نصفه من القوى الجهادية العقدية ونصفه الآخر من قوى تحتفظ بقوتها وعددها وتحشد السلاح دون أن تخوض المعارك استعدادا لقطف الثمار.
وهكذا بات جليا أن كل ما يرمي إليه «المركز» من تشكيل المجالس العسكرية» هو تجميع القوى المسلحة في «تشكيلات مستحدثة تحت سلطة قيادة واحدة يمكن أن تكون قريبا بديلة عن «الجيش الحر» بشقيه الشعبي والنظامي .. قيادة تمارس سلطة الرقابة والتحكم والسيطرة والتجنيد. لذا فإن المشهد الأمني في هذه المجالس، والساعي إلى تأسيس قاعدة بيانات واسعة ومفصلة، يبقى حاضرا بقوة عبر الاتصال بتشكيلات القوى المسلحة وطلب بيانات عنها تشمل أعداد المنتسبين لها وأسمائهم وأرقام هواتفهم وعناوينهم وعدتهم وعتادهم وخلفيتهم المهنية أو العسكرية أو الأيديولوجية أو العقدية وما إلى ذلك من البيانات التي تساعد لاحقا على التتبع والملاحقة وحتى الاعتقال أو التصفية الجسدية إذا لزم الأمر.
وبطبيعة الحال سيعمل «المركز» ، في مرحلة ما، على تمكين هذه المجالس من امتلاك الأدوات اللازمة للعمل كالشرعية الاجتماعية والسياسية وحتى الدينية، فضلا عن التمويل والتسليح والإعلام لتحقيق عملية فرز ميداني للقوى المسلحة تستهدف بالدرجة الأساس القوى الإسلامية. ولم يعد غريبا أن تترافق عمليات التشكيل هذه مع حملة إعلامية شرسة استهدفت هذه القوى وكل متطوع راغب بالخدمة المدنية أو القتال بدعوى أن سوريا ليست بحاجة إلى رجال أو، في مستوى أشد، يزعم أن الوافدين تحولوا إلى عبء على الثورة. والمنطق يؤكد بأن المتطوعين لو كانوا عبءً لما كان لهم ذاك التأثير الفارق على مسارات الثورة ميدانيا، ولو كانوا كثرة لما بقيت الثورة تعاني من حالة توازن القوى مع النظام.
والحقيقة الثابتة الأولى تؤكد أن الإسلاميين هم القوى الوحيدة التي لم تتذمر أو تطلب تمويلا أو تسليحا من أحد، وبالتالي فهي أولى بالشكوى من أية قوة أخرى، بالنظر إلى توافد متطوعين يعانون من قصور في فهم الجهاد