فإن أي استعمال محتمل للأسلحة لا بد وأن يكون من النظام الحاكم أو من أية دولة تمتلكها سواء وقعت على المعاهدة أو لم توقع عليها.
وتبعا لذلك فإنْ كانت القوى الثورية هي التي استعملتها فلا بد وأن (1) دولة ما زودتها بالمواد الأساسية، و (2) بخبرات وتقنيات التصنيع اللازمة، في (3) وقت ما، و (4) بطريقة مباشرة أو عبر قناة معينة، و (5) أن النظام وحلفاءه تحققوا يقينا من أن الثوار استعملوا الأسلحة الكيماوية. وبما أن النظام وحلفاءه فشلوا في الإجابة على مثل هذه الأسئلة فلن يبقى إلا القطع بأن القوى الثورية صارت حُكْما خارج المساءلة. وعليه لا بد وأن يتجه التحليل نحو خيارين آخرين:
-إما أن يكون النظام هو الذي استعمل السلاح الكيماوي في مذبحة الغوطة.
-وإما أن يكون ثمة طرف آخر هو من استعملها.
في التحقيقات الجنائية، حيث الغاية هي الوصول إلى الحقيقة، فإن القاعدة الذهبية تقول أن: «المتهم برئ حتى تثبت إدانته» ، وأن «لكل جريمة سبب» و «جاني» أو «مجرم» . وهذا يفرض علينا التعامل مع المعطيات المتوفرة بأقصى درجات الموضوعية بغض النظر عن أية مواقف أيديولوجية أو سياسية أو خصومات على أي مستوى.
من الثابت أن النظام الطائفي الحاكم في سوريا قتل أكثر من 125 ألفا من السكان، ودمر البنية التحتية للبلاد، واختطف أو اعتقل مئات الآلاف، واغتصب الحرائر من النساء، وهدم أكثر من 1700 مسجد، ودمر التراث الإسلامي، وأباد آلاف العائلات، وفكك المجتمع السوري، وأعلنها حربا طائفية وحشية استعمل فيها كل أسلحة الدمار الشامل ... وغدت أية مصالحة مع النظام من دروب المستحيل حتى لو قبلت فيها كل القوى السياسية. وبناء على ما سبق من معطيات تؤكد امتلاك النظام للأسلحة الكيماوية فمن المفترض أن تتجه أصابع الاتهام في المسؤولية ضد النظام. لكن هل النظام فعلا هو من نفذ هذه الهجمة على وجه التحديد!!!؟
الانطباعات الأولى، في الإجابة على السؤال، تذهب إلى الاتجاه المعاكس. إذ ليس من العقل أن يقوم نظام بمثل حالة النظام السوري بعمل من هذا النوع وهو أشبه بالغريق!!! وهنا لا بد من الانتباه إلى أن النظام الحاكم في سوريا ليس هو بشار الأسد ولا عائلته بل الطائفة التي لا تزال تتمتع بالامتياز الدولي لـ «المركز» بشقيه الشرقي والغربي. وبالتالي فإن أية حماقة ستضع الطائفة برمتها في مأزق دولي يصعب الدفاع عنه أو إعادة إدماجه في حل سياسي قادم. كما أن توريط الطائفة بمثل هذه الحماقة عمل لا يمكن أن يغفره المجتمع السوري على مر السنين. بل هي حماقة من العيار الثقيل أن يرتكب النظام جريمة مروعة بهذا الحجم في حين أن فريق التحقيق الدولي على مرمى البصر من ساحة الجريمة. وفي السياق يصعب القول أن النظام ارتكب الجريمة لكنه من المستحيل أن يعترف بها أو يجرؤ على المجاهرة أو التلميح بها. والأهم من هذا وذاك: ما الذي يمكن أن